الرئيسية / رأي / لنتعلم أن نتعلم

لنتعلم أن نتعلم

منذ عامين بدأنا في إجراءات تأسيس الجمعية المصرية للتعلم ، والتي تعنى بنشر مفاهيم وممارسات التعلم المؤسسي بمختلف صوره، سواء أكان تعلمًا فرديًا أو جماعيًا أو مؤسسيًا، وقد أصر الموظف المسؤول في الوزارة على كتابته “الجمعية المصرية للتعليم” واستغرق الأمر قدرًا كبيرًا من الوقت لإقناعه بأن التعلم يختلف عن التعليم، وأننا مهتمين بقضية التعلم التي تساهم في التعليم، ولكنها مختلفة، وعلى مضض وافق الموظف، الحقيقة أن هذا الموقف البسيط يلخص اللبس والخلط بين عملية التعلم وعملية التعليم، فالتعليم يقصد به نظام التعليم في المؤسسات الأكاديمية، والتي يفترض بالطبع أن يقود فيها التعليم إلى التعلم، في حين أن التعلم هو عملية اكتساب المعارف والمهارات والتي تؤدي بدورها إلى تعديل السلوك، سواء أكان ذلك على مستوى الأفراد أم المؤسسات أم على مستوى الحكومات. وبغض النظر عن حالة التعليم في وطننا العربي، يبدو أن نظام التعليم هو حجر العثرة الرئيس نحو التعلم، فبالرغم من أنه لا يختلف اثنان على أهمية التعليم، وأنه الرافد الرئيس للحضارة والتقدم والنمو الاقتصادي.. فإننا لانزال نتخبط عامًا بعد عام وجيلًا بعد جيل.

يقول “إدوارد ديمنج” الأب الروحي لنظرية الجودة الشاملة: إن التعلم ليس إجبارياً، مثله مثل البقاء، أي أنه لا يجبرنا أحد على البقاء، فهو من اختيارنا، وكذلك التعلم هو اختياري، فلا يمكن لأحد أن يجبرنا على التعلم، وبالتالي فلابد أن تكون عملية التعلم شيقة وجذابة لكل الأعمار ولكل المستويات الفكرية فنحن نتعلم بسرعات وبطرق مختلفة، ولابد أن تراعي أساليب التعلم تلك الفروق الفردية. ولم يعد التعلم مقتصرًا على المؤسسات التعليمية الرسمية، بل امتد ليتدفق ويتنوع عبر قنوات متعددة وغير تقليدية، فالتعلم الفردي أصبح متاحًا للجميع من خلال مؤسسات مرموقة، ومجانية في الوقت نفسه مثل “كورسيرا” Coursera ، وإيدكس Edx، وكذلك من خلال التوجيه Coaching ، والتدريب التوجيهي Mentoring ، كما إن التعلم الجماعي والمؤسسي أصبح متاحًا من خلال المقارنات المعيارية ونظم الاقتراحات والمتسوق السري، والمراجعات اللاحقة، وحل المشكلات، وقد شكلت تلك الأساليب والنظريات الآن تخصصًا في العلوم الإدارية هو التعلم المؤسسي (أو التنظيمي) Organizational Learning  وقد تبنت بعض الدول مثل النرويج وفنلندا والولايات المتحدة وبريطانيا مفاهيم وممارسات التعلم المؤسسي وطبقتها في القطاع الحكومي وقبله القطاع الخاص، لذلك انتقلت نقلة نوعية مستدامة وأصبحت رائدة في مجالات كثيرة، وتأتي على الطريق دول أخرى، مثل استونيا، وفيتنام، التي أصبحت مزارًا للتعلم والاستفادة من تجاربها.

ما نحتاجه في الوطن العربي الآن أكثر من أي وقت مضى هو أن نتواضع بالقدر الكافي لأن نسمع ونتعلم، ونترك خلافاتنا جانبًا من أجل التقدم والنمو، نحتاج لأن نتعلم أنسب الطرق للتعلم والاستفادة من التكنولوجيا وتجارب الآخرين، وأن نتوقف عن التصريحات الإعلامية الرنانة، ببساطة نحتاج لأن نتعلم كيف نتعلم.

نبذة عن الكاتب:

بجانب عمله الأكاديمي والبحثي يعمل الدكتور/جراد مستشارًا في التميز والتعلم المؤسسي، ولديه خبرة تزيد على 24 عامًا في القطاع الحكومي، وقطاع البنوك، وقطاع تكنولوجيا المعلومات وقطاع التدريب والتعليم. وهو متخصص في أساليب التعلم المؤسسي، ومقيم أول وقائد فرق تقييم في العديد من الجوائز المحلية والإقليمية، منها جائزة الشيخ خليفة للتميز، وجائزة الشيخ محمد بن راشد للأعمال، وجائزة دبي للجودة، وجائزة أبوظبي للأداء الحكومي المتميز، وجائزة رأس الخيمة للجودة الحكومية ، وجائزة الملك عبد العزيز للجودة بالمملكة العربية السعودية، ويكتب عمودًا إسبوعيًا ينشر بجريدة الإمارات اليوم وجريدة الراي العام بالكويت، ومتحدث في العديد من المؤتمرات الدولية والقنوات التلفزيونية، كما إنه مؤسس مؤتمر التعلم المؤسسي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ورئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية للتعلم.

 

دكتور/ علاء جراد

رئيس الجمعية المصرية للتعلم

أستاذ إدارة الأعمال – جامعة أبوظبي

شاهد أيضاً

الجامعات العربية…  ودورها المأمول

        تشكل قضية التعليم في الوطن العربي تحديًا حقيقيًا من حيث المخرجات التعليمية على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *