الرئيسية / صناع التنمية / الدكتور محمود محيي الدين لـ “الإدارة اليوم”: التعاون الذكي بين القطاعين العام والخاص مفتاح نجاح العرب

الدكتور محمود محيي الدين لـ “الإدارة اليوم”: التعاون الذكي بين القطاعين العام والخاص مفتاح نجاح العرب

  • 142 مليار دولار غير كافية لتلبية الاحتياجات التمويلية للمنطقة العربية.
  • ضرورة تطبيق استراتيجيات جديدة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
  • البنك الدولي يدعم العرب للتغلب على أسباب عدم الاستقرار وإعادة الإعمار.
  • العالم العربي المنطقة الأقل تكاملًا في العالم.
  • استراتيجية جديدة لمواجهة تهديد نقص الغذاء ومجاعات لـ 20 مليون شخص .
  • فرص واعدة للشباب العربي في مجالات الاقتصاد الرقمي إذا أحسنَّا التعليم.

 

 

   يواجه العالم العربي تحديات كثيرة تقف عائقًا أمام تحقيق معدلات نمو أفضل، بالرغم من الإمكانات الطبيعية والبشرية المتاحة التي لا توجد في دول أخرى، وذلك في ظل عدم الوصول إلى التكامل العربي… ولذا حاورت “الإدارة اليوم” الدكتور محمود محيي الدين- النائب الأول لرئيس البنك الدولي لأجندة التنمية 2030 وعلاقات الأمم المتحدة والشراكات- ليعطي لنا “روشتة” واضحة المعالم للتغلب على هذه التحديات، مؤكدًا أن مفتاح النجاح هو التعاون الذكي بين القطاعين العام والخاص، وكاشفًا أن 142 مليار دولار، لن تكون كافية لتلبية الاحتياجات التمويلية غير العادية للمنطقة العربية، وموضحا استراتيجية البنك الدولي لدعم العالم العربي للتغلب على الأسباب الكامنة وراء عدم الاستقرار والصراع…

 

– – يواجه العالم العربي العديد من التحديات العالمية والمحلية، فكيف يمكن التقدم باتجاه تحقيق أهداف التنمية المستدامة؟

– تحدد أهداف التنمية المستدامة رؤية شاملة للتنمية تعترف بتداخل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وأهمية إيجاد حلول متعددة القطاعات. كما إن أهداف التنمية المستدامة هي أهداف عالمية تُطبّق على الدول الغنية والدول الفقيرة على حد سواء، وتتضمن التزامًا بالعمل الجماعي. وستستفيد البلدان المصدرة والمستوردة للنفط في المنطقة العربية من التحسن المطرد في النمو العالمي؛ وزيادة التجارة مع أوروبا وآسيا؛ وزيادة الاستقرار في أسواق السلع الأولية، وخاصة النفط. ولكن العالم العربي شهد طفرةً هائلةً في المعاناة الإنسانية نتيجة خسارة الأرواح والإصابات والتهجير القسري الناجم عن العنف المتزايد والهشاشة، وغياب الاستقرار. لذلك يجب على البلدان العربية أن تتحرك بسرعة لبناء اقتصاد أكثر استدامة، مدعومًا بزيادة إبداع القطاع الخاص وحيويته، وتحسين الخدمات العامة، وخلق المنافع العامة الإقليمية والعالمية، والتغلب على هذه التحديات لن يكون سهلًا، وسيكون مفتاح النجاح هو التعاون الذكي بين القطاعين العام والخاص، وبين الحكومة والمجتمع المدني، وبين البلدان، وبين البلدان والمنظمات الدولية.

 

 

– – هل المساعدات الإنمائية الرسمية كافية لتلبية احتياجات المنطقة؟

– المساعدة الإنمائية الرسمية، التي بلغت في العام الماضي 142 مليار دولار، لن تكون كافية لتلبية الاحتياجات التمويلية غير العادية للمنطقة، حتى وإن كانت مقترنة بموارد حكومية. ويقدر الذراع التجاري للأمم المتحدة، “الأونكتاد” أنه من أجل بلوغ أهداف التنمية المستدامة، سيتعين على العالم أن يغلق فجوة قدرها 2.5 تريليون دولار سنويًا. ولتحقيق ذلك، يجب أن نستخدم آليات مبتكرة للاستفادة من الأموال العالمية وتعبئتها، ولا سيما من القطاع الخاص، وينبغي بذل المزيد من الجهود لتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في التنمية المستدامة. وكما أشار تقرير “ديلويت” الأخير، ينبغي أن تكون الشركات قادرة على صياغة هدف واضح مرتبط بهدف اجتماعي أو بيئي أو حتى اقتصادي أوسع، ويمكن لهذا الغرض أن يكون بمثابة بوصلة للأعمال التجارية، تؤثر على ثقافتها وقيمها التنظيمية، وتوجه السلوك الفردي والجماعي للأطراف المعنية.

 

— هل يمكن إلقاء الضوء على دعم مجموعة البنك الدولي لتحقيق أهداف التنمية المستدامة في الدول العربية؟

– في ظل هذه التطورات في العالم العربي، هناك حاجة عاجلة إلى تطبيق استراتيجيات جديدة لتحسين فرصة التقدم في اتجاه تحقيق أهداف التنمية المستدامة، حيث يتصف كل بلد بوضع فريد ومجموعة من التحديات التي يجب مواجهتها، من خلال توصيات ملائمة ومحددة تتعلق بسياسات وحلول توافق وضع كل بلد. كما إن تعهدات مجموعة البنك الدولي على المستوى الوطني هي جوهر نموذج التشغيل الخاص بالمجموعة، وستكون هي الأدوات الرئيسة لدعم تحقيق أهداف التنمية المستدامة. ويتم تيسير ذلك بشكل كبير من خلال المكاتب الميدانية في كل بلد تقريبًا في العالم العربي، التي تقدم لمجموعة البنك الدولي حلولاً متكاملةً للتحديات المعقدة المتعددة الوجوه.

ويقوم دعم المجموعة لأهداف التنمية المستدامة على أربعة محاور رئيسة، هي: البيانات والقرائن، والتمويل، والتنفيذ، والرصد والتقييم. ويركز الدعم الذي تقدمه مجموعة البنك الدولي بشكل أكثر إلحاحًا على الدول التي تواجه تحديات الهشاشة والصراعات الأهلية، فأجندة 2030  تعترف صراحة بالتداخل بين السلام والتنمية، وأهمية ذلك لازدهار المجتمعات، خصوصًا من خلال الهدف 16 للتنمية المستدامة، حيث تواجه الدول التي تعاني من قضايا الهشاشة والصراع تراجعًا في مكاسب التنمية وضغطًا كبيرًا على مواردها، وهذا يؤدي إلى زيادة الفقر والمعاناة لدى كثير من الناس.

وتسعى استراتيجية مجموعة البنك الدولي لدعم العالم العربي إلى التغلب على الأسباب الكامنة وراء عدم الاستقرار والصراع، وفي الوقت ذاته تدعم جهود الصمود وإعادة الإعمار والتعافي، لذلك أولى البنك أهمية لرعاية اللاجئين والنازحين داخليًا، ومساعدة المجتمعات المضيفة في الأردن ولبنان اللتين تعتبران أكثر دول العالم العربي تأثرًا بأزمة اللاجئين والصراع وعدم الاستقرار الاقتصادي في سوريا، حيث تم دعم الحكومات الوطنية كي تستطيع بدورها تعزيز رعاية المجتمعات المضيفة واللاجئين والنازحين داخليًا، وتوجيه المساعدة التنموية لإعانة المهاجرين والنازحين داخليًا؛ من أجل بناء الأصول على شكل رأس مال بشري ومادي ومؤسسي، مع التركيز بشكل خاص على منع تآكل رأس المال البشري (الصحة والتعليم)، وكذلك الاعتماد على المجتمع الدولي- وبشكل خاص على المجموعة المانحة- من أجل التمويل.

 

— كيف يمكن إيجاد آليات واقعية للشراكة بين الدول العربية على الصعيد الاقتصادي وتحقيق تكامل عربي؟

–  على الرغم من الاشتراك في اللغة والتاريخ والحضارة والتهديدات- يبقى العالم العربي المنطقة الأقل تكاملًا في العالم، فهناك مكاسب مهمة من التكامل الإقليمي، بما في ذلك الفوائد التجارية، وبناء الثقة التي يرجح أن تخفض مستوى الصراع. وتشجع مجموعة البنك الدولي التعاون الإقليمي بشأن المنافع العامة المشتركة التي قد يكون من الأفضل تناولها بشكل جماعي لوضع المنطقة على مسار أسرع للتنمية، وتشمل: الطاقة حيث  تشير الدراسات إلى أن النفقات الاستثمارية لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء في المنطقة سوف تتناقص بنسبة 35% بوجود شبكة كهرباء متكاملة كليًا. وسوف تستفيد المنطقة أيضًا من التجارة المتزايدة في الطاقة الشمسية، والمشاركة في سوق الغاز الدولي المتنامي، وإن “تعريفة” الطاقة المدعومة حكوميًا، التي كانت العامل الأكثر ضررًا للجدوى المالية في قطاعي الغاز والكهرباء في المنطقة- هي أولية أخرى لاستراتيجية مجموعة البنك الدولي في المنطقة. وكذلك الأمر فيما يتعلق بالمياه، فالدول العربية هي أكثر بلدان العالم ندرةً في المياه، وبعضها من الأدنى في معدلات إنتاجية المياه، وهذا يعود بشكل كبير إلى أن “تعريفة” المياه هي من الأدنى في العالم. وتوفر الحكومات العربية أعلى مستوى من الدعم الحكومي عالميًا، وهو دعم غير متكافئ، يستحوذ عليه من هم أكثر ثراءً. وكذلك- أيضًا- التعليم، فنوعيته هي محور الاهتمام الإقليمي الأساسي، فثمة تباين كبير في الحالة الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية والجنسية (النوع)، ولذلك يوفّر التعاون الإقليمي فرصةً لإجراء الإصلاحات، ويمكن في هذا المجال البناء على المبادرة الإقليمية “التعليم من أجل التنافسية” التي يتم تنفيذها حاليًا بالشراكة مع البنك الإسلامي للتنمية.

 

– – ماذا عن دور المؤسسات الدولية في مواجهة المجاعة التي تهدد 20 مليون شخص، وهي أكبر أزمة إنسانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؟

– كما ذكرت سابقًا… إن استراتيجية مجموعة البنك الدولي لدعم العالم العربي تسعى للتغلب على الأسباب الكامنة وراء عدم الاستقرار والصراع، وفي الوقت ذاته تدعم جهود الصمود وإعادة الإعمار والتعافي. وثمة عنصر أساسي لتنفيذ هذه الاستراتيجية هو التشارك مع مؤسسات إقليمية ودولية،  حيث إن المنهج الإقليمي- خاصةً عندما يقوم على الشراكة- قادر على تحقيق التغيير. وتقوم مجموعة البنك الدولي، بالتعاون مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الإسلامي للتنمية والمنظمات الأخرى الثنائية والمتعددة الأطراف- بحشد تحالف دولي من أجل مواجهة هذه التحديات. وقد شاركت مؤخرًا في عدة اجتماعات دولية في نيويورك، وجنيف، والصومال، وكينيا، والبرتغال، للاتفاق على طريق جديد للعمل، والتعاون بين المؤسسات المالية الدولية ووكالات ومنظمات الأمم المتحدة، والمساعدة في سد الفجوة بين الإغاثة الإنسانية والتنمية؛ لمواجهة تهديد بنقص في الغذاء ومجاعات تهدد 20 مليون شخص في أربع دول هي الصومال واليمن وجنوب السودان ونيجيريا. وتعتمد تلك الشراكة على ثلاثة أضلاع هي التنمية المستدامة، والمساعدات والإغاثة الإنسانية، وبناء وحفظ السلام.

وقد قمت بزيارة معسكر “كاباسا الصومالي” على الحدود الإثيوبية، الذي يقطنه عدد من النازحين الهاربين بسبب الجفاف من بقاع تبعد مئات الكيلومترات عن المعسكر، وإن النازحين في المعسكر لا ينتظرهم الكثير من المدد والعون إلا ما قد توفره المساعدات الإنسانية.

 

— كيف يمكن أن يستفيد العالم العربي من تطور التكنولوجيا والثورة الصناعية الرابعة؟

– تمثل الثورة الصناعية الرابعة نقلة كبرى مع منتجات وتأثيرات الاقتصاد الرقمي وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي. وبعض من هذه المنتجات سيزيد من إنتاجية العامل، والبعض الآخر سيحل محل العامل نفسه، والأمر هنا غير قاصر على إحلال المكنات محل عمال مهرة وآخرين من متواضعي الإنتاجية كما حدث من قبل، لكن هذا الأمر سيطول أصحاب الياقات البيضاء والتخصصات الدقيقة ممن ظنوا أنهم بمأمن؛ لذلك سيصبح على الجادين في البحث عن عمل لائق أن يجيدوا المهارات التي تجعلهم أقل تكلفة من آلات عالية التقنية، أو أكثر كفاءة منها، أو الاثنين معًا. وأرى في تطور التكنولوجيا- وخاصة في مجالات الاقتصاد الرقمي، وتكنولوجيا المعلومات- فرصًا للشباب العربي في سوق العمل إذا أحسنَّا الاستفادة من الميزة الوحيدة للإتيان بعد السابقين علينا، وهي التعلم من تجاربهم في الاستفادة من الثورات الصناعية الثلاث السابقة، وقد كان حظ الدول العربية منها قليلًا. وفي هذا المضمار لن تتكلف الاقتصادات العربية أعباءً باهظة للتخلص من تكنولوجيا قديمة كحال الدول الصناعية القديمة، وما يصاحب ذلك من إعادة هيكلة مكلفة وتعويضات، لكن عليها الاستفادة من صغر أعمار مواطنيها وغلبة الشباب في التركيبة السكانية، والنظر لهذا التدفق البشري على أنه نعمة يمكن استثمارها بحسن التعليم المبتكر والاطلاع على المعارف، وتوجيه إنفاقها للارتقاء بنوعية ذلك التعليم وإرسال البعثات التعليمية للشرق والغرب، فلم يعد التطور حكرًا على دول مجموعة الدول الصناعية الكبرى.

 

—  كيف استفاد العالم العربي من تجارب الدول التي حققت إنجازًا في مسار التنمية، مثل اليابان وسنغافورة وكوريا والصين؟

– منذ ما يزيد على 10 أعوام، شاركت 20 من الاقتصاديين والقيادات التنفيذية من 17 دولة، في فريق عمل لدراسة الاستراتيجيات والسياسات التي حققت نموًا مطردًا وتنمية شاملة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اندلاع الأزمة المالية العالمية في عام 2008، وقد انتهت هذه المجموعة التي أطلق عليها مجموعة النمو والتنمية- بعد لقاءات عمل على مدار عامين- إلى تلخيص أهم مكونات النجاح في تحقيق النمو، حيث أكدت المجموعة أن هذه اللقاءات ليست هدفًا في حد ذاتها، لكنها المحرك الحيوي لإنجاز أهداف أساسية للأفراد والمجتمعات، بدءًا من انتشالهم من قاع الفقر المدقع، إلى توفير الموارد للارتقاء بالتعليم والرعاية الصحية ووضع الاقتصاد على مسار التنمية المستدامة. وقد تبين أن الدول التي حققت إنجازًا في مسار التنمية- مثل اليابان وسنغافورة وكوريا والصين وغيرها- تبنت استراتيجيات تضمنت خمسة مكونات اشتركت فيها بدرجات مختلفة هي: تحقيق معدلات عالية لتراكم المدخرات والاستثمارات المحلية وبتوجه نحو المستقبل تطويرٍا للتعليم والصحة والبنية الأساسية والاستقرار الاقتصادي الكلي بالسيطرة على عجزي الموازنة وميزان المدفوعات ومعدلات التضخم والاندماج في الاقتصاد العالمي تصديرا وجذبا للاستثمارات وكسبا للمعارف والاعتماد على الأسواق المنظمة في توجيه الموارد الاقتصادية ووجود حكومات ذات كفاءة ومصداقية ملتزمة من خلال مؤسساتها بتحقيق أهداف التنمية.

عن amal

شاهد أيضاً

معالي القاضي مدحت المحمود .. رئيس المحكمة الاتحادية العليا في جمهورية العراق للإدارة اليوم ثقة المواطن في القضاء كان همي الأكبر

في عام 2003،تم اختياركم مشرفًا على وزارة العدل للقيام بإعادة تنظيم المحاكم وإدامة العمل فيها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *