الرئيسية / مقالات / العالم العربي والحقبة الصعبة الحالية – كما يراها الآخرون

العالم العربي والحقبة الصعبة الحالية – كما يراها الآخرون

شارك فخامة الرئيس التشيكي الأسبق “فاكلاف كلاوس” متحدثًا رئيسًا في “المؤتمر العربي الدولي الثالث للعلاقات العامة”،  والذي عقدته المنظمة العربية للتنمية الإدارية، في القاهرة، خلال الفترة 19-20 ديسمبر 2016، وتناول في كلمته العديد من القضايا منها التحديات التي تواجه الدول العربية، والمتغيرات التي تمر بها المنطقة وكان نص الكلمة:
أشكركم على هذه الدعوة؛ إن الحضور إلى القاهرة ومصر مرة أخرى بعد ما يزيد عن ست سنوات حدث عظيم بالنسبة لي. فقد كانت آخر زياراتي للقاهرة في فبراير عام 2010 بصفتي رئيسًا لجمهورية التشيك، وكانت زيارة رسمية للدولة. وقد منحتني هذه الزيارة الفرصة أيضًا أن أقدم وقتها النسخة العربية من كتابي “الكوكب الأزرق مقيدًا بالأغلال الخضراء” “Blue Planet in Green Shackles” والذي كرسته لانتقاد الأصوات التي تنذر بخطر ظاهرة الاحتباس الحراري. ومع الأسف لا يزال الموضوع مناسبًا وذا صلة في الوقت الحالي وكذلك آرائي القديمة ما زالت كما كانت منذ ست سنوات مضت. وقد كان السؤال الذي طرحته في العنوان الفرعي للكتاب مباشرًا تمامًا: “ما الشيء المعرض للخطر – المناخ أم الحرية؟” ولا زلت مقتنعًا بأنه علينا ألا نهمل أي من الأمرين؛ لا المناخ ولا أنفسنا.
كانت زيارتي الأخيرة -إذا ما قسناها بعدد السنين- حديثة العهد، ولكن بالنظر إلى التطورات التي شهدتها المنطقة مؤخرًا، فإنها تبدو وكأنها حقبة تاريخية أخرى. فقد سبقت زيارتي تلك المرة زعزعة في الاستقرار السياسي بالمنطقة بفعل تلك الأداة – المستوردة من الخارج – والمسماة “الربيع العربي”. وتعلمون جيدًا أن ادعاء أن “الربيع العربي”، هو “زعزعة استقرار اصطناعية” للعالم العربي سوف يتم تفسيره في كل من أوروبا وأمريكا بصورة مغايرة من الناحية السياسية، وأعتقد أن هذا ليس بعيدًا عن الحقيقة. فقد هيأ هذا الحدث المجال أمام وقوع الكثير من التطورات المفجعة التي يترتب عليها آثار بعيدة المدى. فخبرتي بنظام اشتراكي قمعي غير فعّال قضيت به غالبية حياتي يمكِّنني من فهم مثل هذا الأمر.
وفي هذا المؤتمر وأمام هذا الجمع، عليّ أن أتطلع إلى الماضي وأعترف بأنني وجدت ما يحفزني على المشاركة في المؤتمر العربي الدولي الثاني للعلاقات العامة الذي انعقد في فيينا منذ عامين . وفي العرض الذي قدمته حينذاك في ذلك المؤتمر انتقدت العواقب المدمرة للانتشار الواسع لفكرة “العالمية” (Universalism). وكنت أقصد وقتها “العالمية الغربية” (Western Universalism). وأود أن أكرر هنا الآن أنني لا أتفق مع التأويل القائم على مذهب عالمية هذا العالم وطموحات (أنصار هذا المذهب Universalists) في تحويل الفكرة إلى هدف معياري. فإنه ينبغي ألا تجبرنا تلك المذاهب التقدمية (Progressive) والمثقفون أصحاب الصوت الصاخب على قبول هذا المنظور المريب.
وعندما أنظر حولي، لا أرى مجتمعًا عالميًا واحدًا، أبوة عالمية واحدة، حزمة واحدة غير منظمة من الأفراد المنتمين إلى عائلة “الجنس البشري” (Homo Sapiens). وقد قلت في فيينا إنه: “قد يكون ذلك صحيحًا على المستوى البيولوجي، ولكنه لا يصح على أي مستوى آخر، وخاصة على المستوى الحضاري والثقافي والديني” (صفحة 3). علينا قبول فكرة الاختلاف فيما بيننا. ولا يقتصر الأمر على ذلك، وإنما ينبغي ألا نجبَر على اعتناق فكر أو دين واحد.
إن عقيدة “العالمية” – ونظيرها المنطقي الذي يأتي من الشرق متمثلاً في “الإسلام المتطرف”- هي عقيدة غير صائبة وخطرة ولا يجوز الدفاع عنها. إذ إنه شرقًا وغربًا، ينبغي ألا تتقلص أوروبا والعالم العربي ليصبحا مجرد دلالات جغرافية. هناك أجزاء كثيرة في العالم تختلف عن بعضها اختلافًا أصيلاً. كل من يدعو إلى التنوع -وهو أمر صائب هذه الأيام – يجب أن ينظر إلى أصالة الاختلافات باعتبارها نتيجة منطقية لتفكيره هو. ولكن هؤلاء الأشخاص يفتقرون إلى المنطق. إن مناصري التعددية الثقافية الحقيقيين من الناحية السياسية الظاهرية (وهم الرواد المتطرفون) يفعلون العكس تمامًا – فهم يدعون إلى التنوع داخل الوطن بينما يدعون للعالمية (والتوحيد Unification) في العالم. الأمر يحمل خطرًا جليًّا. ويجب أن يكون الوضع على العكس تمامًا من ذلك.
إنني -كما يراني العالم العربي- شخص أجنبي لا يملك ما يكفي من المعلومات وأنا أعي ذلك. ولهذا السبب لم آت إلى هنا لأسديكم النصيحة.
فإنني أتشكك كثيرًا في مهنة المستشارين الدوليين المهرة الذين لا يحصلون إلا على معلومات جزئية وهم بالطبع لا يملكون القدرة المطلقة. وأنا أيضًا لا أدعي النظر إلى العالم العربي بطريقة محايدة من منظور مثالي. لا أحد يمكنه التحلي بهذه الميزة. وإنما أنظر إلى العالم العربي من خلال براغ؛ تلك المدينة التاريخية، وهي مدينة صغيرة في أوروبا الوسطى كانت شيوعية فيما سبق، والآن هي دولة في الاتحاد الأوروبي. إنها ليست الغرب ولا الشرق التقليدي، وليست ضمن أعلى عشر دول في إجمالي الناتج المحلي، ولا هي دولة نامية. وليست بالقطع جزءًا من العالم العربي. أعتقد أن منظوري الخاص يحظى بمزايا معينة تتعلق بماضينا الشيوعي وبعضويتنا الحالية في الاتحاد الأوروبي.
حينما أنظر إلى العالم العربي أرى سمات متناقضة وليست محببة دائمًا. ومن هذه السمات:
– الافتقار إلى التعاون والتكامل السياسي والاقتصادي في المنطقة. وأتعجل القول إنه ليس المقصود أن أقترح اتباع نموذج التوحيد (Unification) والتكامل الأوروبي.
– إعاقة التطور الطبيعي والحقيقي لدول العالم العربي بسبب التدخلات العسكرية الأجنبية ومن خلال محاولات تصدير نمط غربي من الديمقراطية إلى الدول العربية.
– الأزمة الأيديولوجية الصريحة والضمنية التي تؤدي إلى البحث عن الهوية وعن رؤية جديدة موحدة، وهي مسألة معقدة وجدلية وعنيفة.
– زيادة حدة الخلافات الدينية وتصاعد الميليشيات الإسلامية.
– تباطؤ النمو الاقتصادي نسبيًا بسبب فشل التوجه إلى التصنيع بتلك الطريقة العتيقة ونتيجة مواصلة الاعتماد على النفط والغاز.
لا أقصد بذلك الانتقاد؛ فأنا رجل اقتصاد أكاديمي تحولت إلى سياسي يستخدم هذه الصيغ كوصف محايد دون إصدار أحكام. ولكنني رغم ذلك على قناعة بأن العالم العربي بحاجة إلى تحول نظامي في أغلب دوله كشرط يسبق أي تقدم للأمام.
ينبغي ألا تستند هذه العملية إلى استيراد نماذج أو إجراءات مؤسسية أو أنماط سلوكية من أي مكان. ويجب أن يحترم هذا التحول السمات البنائية والشروط المسبقة الحالية المحلية الضاربة بجذورها في العمق الثقافي والاجتماعي. وعلى العالم العربي أن يجد طريقه الخاص وبالطبع دون التغافل عن المبادئ الاقتصادية المشتركة على نطاق واسع وغيرها من العلوم الاجتماعية.
حينما كنت في القاهرة منذ ثمانية أعوام لحضور المنتدى الاقتصادي التشيكي – المصري (أبريل 2008) ، تحدثت عن تحولنا من الشيوعية إلى اقتصاد ومجتمع غربي قياسي. كانت بعض مجالاته محددة، نظرًا لأن الشيوعية في حد ذاتها محددة، ولكني أعتقد أن تجربتنا أثبتت أنها بوجه عام ذات أهمية سواء زادت هذه الأهمية أو قلت.
وكانت الشروط المسبقة اللازمة لنجاح جهودنا هي الشروط التالية والمرتبطة بعضها ببعض:
– رؤية واضحة وشفافة لوجهتنا المنشودة.
– استراتيجية عملية لكيفية الوصول لهذه الوجهة.
– فَهْم غالبية الأفراد ودعمهم.
لقد كنا محظوظين نسبيًا؛ إذ استطعنا الجمع بين هذه الشروط. وفي سياق عملية التحول فهمنا أن:
1. أي تغيير كبير من هذا النوع وعلى هذا النطاق هو مهمة داخلية؛ لأن الديمقراطية البرلمانية واقتصاد السوق -وقد كان ذلك هو هدفنا- لا يمكن استيرادهما ولا الموافقة عليهما في المؤتمرات الدولية، ولا يمكن اكتسابهما بالإنابة باعتبارهما استثمارًا أجنبيًا. إنه عمل ينبغي علينا القيام به بأنفسنا.
2. التحول عبارة عن سلسلة من السياسات وليس مجرد تغيير سياسي يحدث دفعة واحدة.
3. يجب أن يعلم الشعب مسبقًا تكلفة هذه الخطة السياسية. قد تكون هذه التكلفة باهظة نوعًا ما خاصة على المدى القصير والمتوسط.
4. يجب أن تتزامن التغييرات السياسية والاقتصادية. فقد تعلمنا من واقع تجربتنا أن التغييرات الواقعة على الصعيدين السياسي والاقتصادي يعزز بعضها بعضًا.
ومن الواضح أن الدول التي تمر بمراحل انتقالية بحاجة إلى التحول الديمقراطي السياسي وإنشاء مؤسسات اقتصاد السوق. وهي بحاجة أيضًا إلى أسواق مفتوحة في باقي أنحاء العالم. وتحتاج هذه الدول إلى تلك المعايير الاجتماعية والعملية والبيئية ومعايير الصحة والسلامة والتي تحددها وفق تقديرها وتعكس مستواها الاقتصادي، وليست تلك المعايير التي تفرض عليها من الخارج. وهي بحاجة إلى التجارة وليس إلى المساعدات. (هناك فجوة كبيرة بين الظاهر المتكلِّف للمساعدات الأجنبية وفحواها الحقيقة. ولا أصدق أن هذا الأمر قد يتغير أبدًا. واتساع هذه الفجوة أكثر من ذلك أمر يصب في صالح مجتمع المساعدات الأجنبية -وهي مجموعة محددة تسعى للربح).
وبالطبع يحظى الجانب السياسي لعملية التحول والتي مرت بسلاسة في أوروبا الوسطى نظرًا لانصهار الشيوعية دون أى مقاومة إلى جانب عدم معارضة باقي أنحاء العالم لها، بأهمية كبيرة. يفترض النظام الديمقراطي القادر اقتصاديًا على البقاء وجود كيان متماسك يتقاسم الهوية ومتجانس بما يكفي، يُطلَق عليه في المعتاد دولة، والتي يمكن تشكيلها على مستوى بلد وليس على مستوى القارة بأكملها. تعلمنا التجربة أن تفكيك الدول الحالية لا يساعد في تحقيق مزيد من الحرية، وإنما يؤدي مباشرة إلى تعظيم الفوضى والانفلات والاضطراب. وللتخلص من حالة الاضطراب هذه يلزم إدارة فعّالة للدولة تقوم على إجماع واسع النطاق بقدر الإمكان من قِبل المواطنين (عن طريق انتخابات ديمقراطية).
ويتمثل التحدي الحقيقي الذي يواجهه العالم العربي -قد نستثني مصر من ذلك- في كيفية بناء دول ليست على النمط الأوروبي (أو الغربي). وفي مثل هذه الحالة لا تتشكل الدولة بسهولة. وتستغرق وقتًا طويلاً لتحقيق هذا الهدف. وأنا أعي ما أقوله باعتباري شخصًا أوروبيًا. أعي أهمية الدولة. وتؤدي المحاولات المتهورة لتوحيد أوروبا والعمل على تمركزها وإلغاء قوميتها وديمقراطيتها (إلى جانب انتصار الفكر المنادي بإعادة التوزيع في حقبة ما بعد الديمقراطية والذي يناهض آليات السوق والاستقلالية الفردية في أوروبا) إلى تقويض القارة وحريتها ورفافاكلاف كلاوس
شارك فخامة الرئيس التشيكي الأسبق “فاكلاف كلاوس” متحدثًا رئيسًا في “المؤتمر العربي الدولي الثالث للعلاقات العامة”، والذي عقدته المنظمة العربية للتنمية الإدارية، في القاهرة، خلال الفترة 19-20 ديسمبر 2016، وتناول في كلمته العديد من القضايا منها التحديات التي تواجه الدول العربية، والمتغيرات التي تمر بها المنطقة وكان نص الكلمة:
أشكركم على هذه الدعوة؛ إن الحضور إلى القاهرة ومصر مرة أخرى بعد ما يزيد عن ست سنوات حدث عظيم بالنسبة لي. فقد كانت آخر زياراتي للقاهرة في فبراير عام 2010 بصفتي رئيسًا لجمهورية التشيك، وكانت زيارة رسمية للدولة. وقد منحتني هذه الزيارة الفرصة أيضًا أن أقدم وقتها النسخة العربية من كتابي “الكوكب الأزرق مقيدًا بالأغلال الخضراء” “Blue Planet in Green Shackles” والذي كرسته لانتقاد الأصوات التي تنذر بخطر ظاهرة الاحتباس الحراري. ومع الأسف لا يزال الموضوع مناسبًا وذا صلة في الوقت الحالي وكذلك آرائي القديمة ما زالت كما كانت منذ ست سنوات مضت. وقد كان السؤال الذي طرحته في العنوان الفرعي للكتاب مباشرًا تمامًا: “ما الشيء المعرض للخطر – المناخ أم الحرية؟” ولا زلت مقتنعًا بأنه علينا ألا نهمل أي من الأمرين؛ لا المناخ ولا أنفسنا.
كانت زيارتي الأخيرة -إذا ما قسناها بعدد السنين- حديثة العهد، ولكن بالنظر إلى التطورات التي شهدتها المنطقة مؤخرًا، فإنها تبدو وكأنها حقبة تاريخية أخرى. فقد سبقت زيارتي تلك المرة زعزعة في الاستقرار السياسي بالمنطقة بفعل تلك الأداة – المستوردة من الخارج – والمسماة “الربيع العربي”. وتعلمون جيدًا أن ادعاء أن “الربيع العربي”، هو “زعزعة استقرار اصطناعية” للعالم العربي سوف يتم تفسيره في كل من أوروبا وأمريكا بصورة مغايرة من الناحية السياسية، وأعتقد أن هذا ليس بعيدًا عن الحقيقة. فقد هيأ هذا الحدث المجال أمام وقوع الكثير من التطورات المفجعة التي يترتب عليها آثار بعيدة المدى. فخبرتي بنظام اشتراكي قمعي غير فعّال قضيت به غالبية حياتي يمكِّنني من فهم مثل هذا الأمر.
وفي هذا المؤتمر وأمام هذا الجمع، عليّ أن أتطلع إلى الماضي وأعترف بأنني وجدت ما يحفزني على المشاركة في المؤتمر العربي الدولي الثاني للعلاقات العامة الذي انعقد في فيينا منذ عامين . وفي العرض الذي قدمته حينذاك في ذلك المؤتمر انتقدت العواقب المدمرة للانتشار الواسع لفكرة “العالمية” (Universalism). وكنت أقصد وقتها “العالمية الغربية” (Western Universalism). وأود أن أكرر هنا الآن أنني لا أتفق مع التأويل القائم على مذهب عالمية هذا العالم وطموحات (أنصار هذا المذهب Universalists) في تحويل الفكرة إلى هدف معياري. فإنه ينبغي ألا تجبرنا تلك المذاهب التقدمية (Progressive) والمثقفون أصحاب الصوت الصاخب على قبول هذا المنظور المريب.
وعندما أنظر حولي، لا أرى مجتمعًا عالميًا واحدًا، أبوة عالمية واحدة، حزمة واحدة غير منظمة من الأفراد المنتمين إلى عائلة “الجنس البشري” (Homo Sapiens). وقد قلت في فيينا إنه: “قد يكون ذلك صحيحًا على المستوى البيولوجي، ولكنه لا يصح على أي مستوى آخر، وخاصة على المستوى الحضاري والثقافي والديني” (صفحة 3). علينا قبول فكرة الاختلاف فيما بيننا. ولا يقتصر الأمر على ذلك، وإنما ينبغي ألا نجبَر على اعتناق فكر أو دين واحد.
إن عقيدة “العالمية” – ونظيرها المنطقي الذي يأتي من الشرق متمثلاً في “الإسلام المتطرف”- هي عقيدة غير صائبة وخطرة ولا يجوز الدفاع عنها. إذ إنه شرقًا وغربًا، ينبغي ألا تتقلص أوروبا والعالم العربي ليصبحا مجرد دلالات جغرافية. هناك أجزاء كثيرة في العالم تختلف عن بعضها اختلافًا أصيلاً. كل من يدعو إلى التنوع -وهو أمر صائب هذه الأيام – يجب أن ينظر إلى أصالة الاختلافات باعتبارها نتيجة منطقية لتفكيره هو. ولكن هؤلاء الأشخاص يفتقرون إلى المنطق. إن مناصري التعددية الثقافية الحقيقيين من الناحية السياسية الظاهرية (وهم الرواد المتطرفون) يفعلون العكس تمامًا – فهم يدعون إلى التنوع داخل الوطن بينما يدعون للعالمية (والتوحيد Unification) في العالم. الأمر يحمل خطرًا جليًّا. ويجب أن يكون الوضع على العكس تمامًا من ذلك.
إنني -كما يراني العالم العربي- شخص أجنبي لا يملك ما يكفي من المعلومات وأنا أعي ذلك. ولهذا السبب لم آت إلى هنا لأسديكم النصيحة.
فإنني أتشكك كثيرًا في مهنة المستشارين الدوليين المهرة الذين لا يحصلون إلا على معلومات جزئية وهم بالطبع لا يملكون القدرة المطلقة. وأنا أيضًا لا أدعي النظر إلى العالم العربي بطريقة محايدة من منظور مثالي. لا أحد يمكنه التحلي بهذه الميزة. وإنما أنظر إلى العالم العربي من خلال براغ؛ تلك المدينة التاريخية، وهي مدينة صغيرة في أوروبا الوسطى كانت شيوعية فيما سبق، والآن هي دولة في الاتحاد الأوروبي. إنها ليست الغرب ولا الشرق التقليدي، وليست ضمن أعلى عشر دول في إجمالي الناتج المحلي، ولا هي دولة نامية. وليست بالقطع جزءًا من العالم العربي. أعتقد أن منظوري الخاص يحظى بمزايا معينة تتعلق بماضينا الشيوعي وبعضويتنا الحالية في الاتحاد الأوروبي.
حينما أنظر إلى العالم العربي أرى سمات متناقضة وليست محببة دائمًا. ومن هذه السمات:
– الافتقار إلى التعاون والتكامل السياسي والاقتصادي في المنطقة. وأتعجل القول إنه ليس المقصود أن أقترح اتباع نموذج التوحيد (Unification) والتكامل الأوروبي.
– إعاقة التطور الطبيعي والحقيقي لدول العالم العربي بسبب التدخلات العسكرية الأجنبية ومن خلال محاولات تصدير نمط غربي من الديمقراطية إلى الدول العربية.
– الأزمة الأيديولوجية الصريحة والضمنية التي تؤدي إلى البحث عن الهوية وعن رؤية جديدة موحدة، وهي مسألة معقدة وجدلية وعنيفة.
– زيادة حدة الخلافات الدينية وتصاعد الميليشيات الإسلامية.
– تباطؤ النمو الاقتصادي نسبيًا بسبب فشل التوجه إلى التصنيع بتلك الطريقة العتيقة ونتيجة مواصلة الاعتماد على النفط والغاز.
لا أقصد بذلك الانتقاد؛ فأنا رجل اقتصاد أكاديمي تحولت إلى سياسي يستخدم هذه الصيغ كوصف محايد دون إصدار أحكام. ولكنني رغم ذلك على قناعة بأن العالم العربي بحاجة إلى تحول نظامي في أغلب دوله كشرط يسبق أي تقدم للأمام.
ينبغي ألا تستند هذه العملية إلى استيراد نماذج أو إجراءات مؤسسية أو أنماط سلوكية من أي مكان. ويجب أن يحترم هذا التحول السمات البنائية والشروط المسبقة الحالية المحلية الضاربة بجذورها في العمق الثقافي والاجتماعي. وعلى العالم العربي أن يجد طريقه الخاص وبالطبع دون التغافل عن المبادئ الاقتصادية المشتركة على نطاق واسع وغيرها من العلوم الاجتماعية.
حينما كنت في القاهرة منذ ثمانية أعوام لحضور المنتدى الاقتصادي التشيكي – المصري (أبريل 2008) ، تحدثت عن تحولنا من الشيوعية إلى اقتصاد ومجتمع غربي قياسي. كانت بعض مجالاته محددة، نظرًا لأن الشيوعية في حد ذاتها محددة، ولكني أعتقد أن تجربتنا أثبتت أنها بوجه عام ذات أهمية سواء زادت هذه الأهمية أو قلت.
وكانت الشروط المسبقة اللازمة لنجاح جهودنا هي الشروط التالية والمرتبطة بعضها ببعض:
– رؤية واضحة وشفافة لوجهتنا المنشودة.
– استراتيجية عملية لكيفية الوصول لهذه الوجهة.
– فَهْم غالبية الأفراد ودعمهم.
لقد كنا محظوظين نسبيًا؛ إذ استطعنا الجمع بين هذه الشروط. وفي سياق عملية التحول فهمنا أن:
1. أي تغيير كبير من هذا النوع وعلى هذا النطاق هو مهمة داخلية؛ لأن الديمقراطية البرلمانية واقتصاد السوق -وقد كان ذلك هو هدفنا- لا يمكن استيرادهما ولا الموافقة عليهما في المؤتمرات الدولية، ولا يمكن اكتسابهما بالإنابة باعتبارهما استثمارًا أجنبيًا. إنه عمل ينبغي علينا القيام به بأنفسنا.
2. التحول عبارة عن سلسلة من السياسات وليس مجرد تغيير سياسي يحدث دفعة واحدة.
3. يجب أن يعلم الشعب مسبقًا تكلفة هذه الخطة السياسية. قد تكون هذه التكلفة باهظة نوعًا ما خاصة على المدى القصير والمتوسط.
4. يجب أن تتزامن التغييرات السياسية والاقتصادية. فقد تعلمنا من واقع تجربتنا أن التغييرات الواقعة على الصعيدين السياسي والاقتصادي يعزز بعضها بعضًا.
ومن الواضح أن الدول التي تمر بمراحل انتقالية بحاجة إلى التحول الديمقراطي السياسي وإنشاء مؤسسات اقتصاد السوق. وهي بحاجة أيضًا إلى أسواق مفتوحة في باقي أنحاء العالم. وتحتاج هذه الدول إلى تلك المعايير الاجتماعية والعملية والبيئية ومعايير الصحة والسلامة والتي تحددها وفق تقديرها وتعكس مستواها الاقتصادي، وليست تلك المعايير التي تفرض عليها من الخارج. وهي بحاجة إلى التجارة وليس إلى المساعدات. (هناك فجوة كبيرة بين الظاهر المتكلِّف للمساعدات الأجنبية وفحواها الحقيقة. ولا أصدق أن هذا الأمر قد يتغير أبدًا. واتساع هذه الفجوة أكثر من ذلك أمر يصب في صالح مجتمع المساعدات الأجنبية -وهي مجموعة محددة تسعى للربح).
وبالطبع يحظى الجانب السياسي لعملية التحول والتي مرت بسلاسة في أوروبا الوسطى نظرًا لانصهار الشيوعية دون أى مقاومة إلى جانب عدم معارضة باقي أنحاء العالم لها، بأهمية كبيرة. يفترض النظام الديمقراطي القادر اقتصاديًا على البقاء وجود كيان متماسك يتقاسم الهوية ومتجانس بما يكفي، يُطلَق عليه في المعتاد دولة، والتي يمكن تشكيلها على مستوى بلد وليس على مستوى القارة بأكملها. تعلمنا التجربة أن تفكيك الدول الحالية لا يساعد في تحقيق مزيد من الحرية، وإنما يؤدي مباشرة إلى تعظيم الفوضى والانفلات والاضطراب. وللتخلص من حالة الاضطراب هذه يلزم إدارة فعّالة للدولة تقوم على إجماع واسع النطاق بقدر الإمكان من قِبل المواطنين (عن طريق انتخابات ديمقراطية).
ويتمثل التحدي الحقيقي الذي يواجه العالم العربي -قد نستثني مصر من ذلك- في كيفية بناء دول ليست على النمط الأوروبي (أو الغربي). وفي مثل هذه الحالة لا تتشكل الدولة بسهولة. وتستغرق وقتًا طويلاً لتحقيق هذا الهدف. وأنا أعي ما أقوله باعتباري شخصًا أوروبيًا. أعي أهمية الدولة. وتؤدي المحاولات المتهورة لتوحيد أوروبا والعمل على تمركزها وإلغاء قوميتها وديمقراطيتها (إلى جانب انتصار الفكر المنادي بإعادة التوزيع في حقبة ما بعد الديمقراطية والذي يناهض آليات السوق والاستقلالية الفردية في أوروبا) إلى تقويض القارة وحريتها ورفاهيتها فضلاً عن دورها في العالم بدرجة خطرة. ومن ثم لا مجال الآن لمستقبل مشرق لقارة أوروبا دون مرورها بتحول كبير. وعلى هذا الصعيد، أتمنى أن يسطر خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (Brexit) فصلاً جديدًا في تاريخ القارة.

واسمحوا لي أن أختتم كلمتي بالتأكيد على قناعتي الثابتة بأن العالم العربي سيستطيع تحقيق هذا التحول. فهو ليس منطقة فاشلة يجب إخلاؤها من السكان بالهجرة الجماعية. وإنما منطقة حققت نموًا وتقدمًا ملموسًا في العقود الأخيرة والتي نأمل استمرارها في السنوات المقبلة. أتمنى لكم جميعًا كل التوفيق في مسعاكم.

هيتها فضلاً عن دورها في العالم بدرجة خطرة. ومن ثم لا مجال الآن لمستقبل مشرق لقارة أوروبا دون مرورها بتحول كبير. وعلى هذا الصعيد، أتمنى أن يسطر خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (Brexit) فصلاً جديدًا في تاريخ القارة.
واسمحوا لي أن أختتم كلمتي بالتأكيد على قناعتي الثابتة بأن العالم العربي سيستطيع تحقيق هذا التحول. فهو ليس منطقة فاشلة يجب إخلاؤها من السكان بالهجرة الجماعية. وإنما منطقة حققت نموًا وتقدمًا ملموسًا في العقود الأخيرة والتي نأمل استمرارها في السنوات المقبلة. أتمنى لكم جميعًا كل التوفيق في مسعاكم.
ته المنظمة العربية للتنمية الإدارية، في القاهرة، خلال الفترة 19-20 ديسمبر 2016، وتناول في كلمته العديد من القضايا منها التحديات التي تواجه الدول العربية، والمتغيرات التي تمر بها المنطقة وكان نص الكلمة:
أشكركم على هذه الدعوة؛ إن الحضور إلى القاهرة ومصر مرة أخرى بعد ما يزيد عن ست سنوات حدث عظيم بالنسبة لي. فقد كانت آخر زياراتي للقاهرة في فبراير عام 2010 بصفتي رئيسًا لجمهورية التشيك، وكانت زيارة رسمية للدولة. وقد منحتني هذه الزيارة الفرصة أيضًا أن أقدم وقتها النسخة العربية من كتابي “الكوكب الأزرق مقيدًا بالأغلال الخضراء” “Blue Planet in Green Shackles” والذي كرسته لانتقاد الأصوات التي تنذر بخطر ظاهرة الاحتباس الحراري. ومع الأسف لا يزال الموضوع مناسبًا وذا صلة في الوقت الحالي وكذلك آرائي القديمة ما زالت كما كانت منذ ست سنوات مضت. وقد كان السؤال الذي طرحته في العنوان الفرعي للكتاب مباشرًا تمامًا: “ما الشيء المعرض للخطر – المناخ أم الحرية؟” ولا زلت مقتنعًا بأنه علينا ألا نهمل أي من الأمرين؛ لا المناخ ولا أنفسنا.
كانت زيارتي الأخيرة -إذا ما قسناها بعدد السنين- حديثة العهد، ولكن بالنظر إلى التطورات التي شهدتها المنطقة مؤخرًا، فإنها تبدو وكأنها حقبة تاريخية أخرى. فقد سبقت زيارتي تلك المرة زعزعة في الاستقرار السياسي بالمنطقة بفعل تلك الأداة – المستوردة من الخارج – والمسماة “الربيع العربي”. وتعلمون جيدًا أن ادعاء أن “الربيع العربي”، هو “زعزعة استقرار اصطناعية” للعالم العربي سوف يتم تفسيره في كل من أوروبا وأمريكا بصورة مغايرة من الناحية السياسية، وأعتقد أن هذا ليس بعيدًا عن الحقيقة. فقد هيأ هذا الحدث المجال أمام وقوع الكثير من التطورات المفجعة التي يترتب عليها آثار بعيدة المدى. فخبرتي بنظام اشتراكي قمعي غير فعّال قضيت به غالبية حياتي يمكِّنني من فهم مثل هذا الأمر.

وفي هذا المؤتمر وأمام هذا الجمع، عليّ أن أتطلع إلى الماضي وأعترف بأنني وجدت ما يحفزني على المشاركة في المؤتمر العربي الدولي الثاني للعلاقات العامة الذي انعقد ف

ي فيينا منذ عامين . وفي العرض الذي قدمته حينذاك في ذلك المؤتمر انتقدت العواقب المدمرة للانتشار الواسع لفكرة “العالمية” (Universalism). وكنت أقصد وقتها “العالمية الغربية” (Western Universalism). وأود أن أكرر هنا الآن أنني لا أتفق مع التأويل القائم على مذهب عالمية هذا العالم وطموحات (أنصار هذا المذهب Universalists) في تحويل الفكرة إلى هدف معياري. فإنه ينبغي ألا تجبرنا تلك المذاهب التقدمية (Progressive) والمثقفون أصحاب الصوت الصاخب على قبول هذا المنظور المريب.
وعندما أنظر حولي، لا أرى مجتمعًا عالميًا واحدًا، أبوة عالمية واحدة، حزمة واحدة غير منظمة من الأفراد المنتمين إلى عائلة “الجنس البشري” (Homo Sapiens). وقد قلت في فيينا إنه: “قد يكون ذلك صحيحًا على المستوى البيولوجي، ولكنه لا يصح على أي مستوى آخر، وخاصة على المستوى الحضاري والثقافي والديني” (صفحة 3). علينا قبول فكرة الاختلاف فيما بيننا. ولا يقتصر الأمر على ذلك، وإنما ينبغي ألا نجبَر على اعتناق فكر أو دين واحد.
إن عقيدة “العالمية” – ونظيرها المنطقي الذي يأتي من الشرق متمثلاً في “الإسلام المتطرف”- هي عقيدة غير صائبة وخطرة ولا يجوز الدفاع عنها. إذ إنه شرقًا

 

وغربًا، ينبغي ألا تتقلص أوروبا والعالم العربي ليصبحا مجرد دلالات جغرافية. هناك أجزاء كثيرة في العالم تختلف عن بعضها اختلافًا أصيلاً. كل من يدعو إلى التنوع -وهو أمر صائب هذه الأيام – يجب أن ينظر إلى أصالة الاختلافات باعتبارها نتيجة منطقية لتفكيره هو. ولكن هؤلاء الأشخاص يفتقرون إلى المنطق. إن مناصري التعددية الثقافية الحقيقيين من الناحية السياسية

الظاهرية (وهم الرواد المتطرفون) يفعلون العكس تمامًا – فهم يدعون إلى التنوع داخل الوطن بينما يدعون للعالمية (والتوحيد Unification) في العالم. الأمر يحمل خطرًا جليًّا. ويجب أن يكون الوضع على العكس تمامًا من ذلك.

إنني -كما يراني العالم العربي- شخص أجنبي لا يملك ما يكفي من المعلومات وأنا أعي ذلك. ولهذا السبب لم آت إلى هنا لأسديكم النصيحة.
فإنني أتشكك كثيرًا في مهنة المستشارين الدوليين المهرة الذين لا يحصلون إلا على معلومات جزئية وهم بالطبع لا يملكون القدرة المطلقة. وأنا أيضًا لا أدعي النظر إلى العالم العربي بطريقة محايدة من منظور مثالي. لا أحد يمكنه التحلي بهذه الميزة. وإنما أنظر إلى العالم العربي من خلال براغ؛ تلك المدينة التاريخية، وهي مدينة صغيرة في أوروبا الوسطى كانت شيوعية فيما سبق، والآن هي دولة في الاتحاد الأوروبي. إنها ليست الغرب ولا الشرق التقليدي، وليست ضمن أعلى عشر دول في إجمالي الناتج المحلي، ولا هي دولة نامية. وليست بالقطع جزءًا من العالم العربي. أعتقد أن منظوري الخاص يحظى بمزايا معينة تتعلق بماضينا الشيوعي وبعضويتنا الحالية في الاتحاد الأوروبي.
حينما أنظر إلى العالم العربي أرى سمات متناقضة وليست محببة دائمًا. ومن هذه السمات:
– الافتقار إلى التعاون والتكامل السياسي والاقتصادي في المنطقة. وأتعجل القول إنه ليس المقصود أن أقترح اتباع نموذج التوحيد (Unification) والتكامل الأوروبي.
– إعاقة التطور الطبيعي والحقيقي لدول العالم العربي بسبب التدخلات العسكرية الأجنبية ومن خلال محاولات تصدير نمط غربي من الديمقراطية إلى الدول العربية.
– الأزمة الأيديولوجية الصريحة والضمنية التي تؤدي إلى البحث عن الهوية وعن رؤية جديدة موحدة، وهي مسألة معقدة وجدلية وعنيفة.
– زيادة حدة الخلافات الدينية وتصاعد الميليشيات الإسلامية.
– تباطؤ النمو الاقتصادي نسبيًا بسبب فشل التوجه إلى التصنيع بتلك الطريقة العتيقة ونتيجة مواصلة الاعتماد على النفط والغاز.
لا أقصد بذلك الانتقاد؛ فأنا رجل اقتصاد أكاديمي تحولت إلى سياسي يستخدم هذه الصيغ كوصف محايد دون إصدار أحكام. ولكنني رغم ذلك على قناعة بأن العالم العربي بحاجة إلى تحول نظامي في أغلب دوله كشرط يسبق أي تقدم للأمام.
ينبغي ألا تستند هذه العملية إلى استيراد نماذج أو إجراءات مؤسسية أو أنماط سلوكية من أي مكان. ويجب أن يحترم هذا التحول السمات البنائية والشروط المسبقة الحالية المحلية الضاربة بجذورها في العمق الثقافي والاجتماعي. وعلى العالم العربي أن يجد طريقه الخاص وبالطبع دون التغافل عن المبادئ الاقتصادية المشتركة على نطاق واسع وغيرها من العلوم الاجتماعية.
حينما كنت في القاهرة منذ ثمانية أعوام لحضور المنتدى الاقتصادي التشيكي – المصري (أبريل 2008) ، تحدثت عن تحولنا من الشيوعية إلى اقتصاد ومجتمع غربي قياسي. كانت بعض مجالاته محددة، نظرًا لأن الشيوعية في حد ذاتها محددة، ولكني أعتقد أن تجربتنا أثبتت أنها بوجه عام ذات أهمية سواء زادت هذه الأهمية أو قلت.
وكانت الشروط المسبقة اللازمة لنجاح جهودنا هي الشروط التالية والمرتبطة بعضها ببعض:
– رؤية واضحة وشفافة لوجهتنا المنشودة.
– استراتيجية عملية لكيفية الوصول لهذه الوجهة.
– فَهْم غالبية الأفراد ودعمهم.
لقد كنا محظوظين نسبيًا؛ إذ استطعنا الجمع بين هذه الشروط. وفي سياق عملية التحول فهمنا أن:
1. أي تغيير كبير من هذا النوع وعلى هذا النطاق هو مهمة داخلية؛ لأن الديمقراطية البرلمانية واقتصاد السوق -وقد كان ذلك هو هدفنا- لا يمكن استيرادهما ولا الموافقة عليهما في المؤتمرات الدولية، ولا يمكن اكتسابهما بالإنابة باعتبارهما استثمارًا أجنبيًا. إنه عمل ينبغي علينا القيام به بأنفسنا.
2. التحول عبارة عن سلسلة من السياسات وليس مجرد تغيير سياسي يحدث دفعة واحدة.
3. يجب أن يعلم الشعب مسبقًا تكلفة هذه الخطة السياسية. قد تكون هذه التكلفة باهظة نوعًا ما خاصة على المدى القصير والمتوسط.
4. يجب أن تتزامن التغييرات السياسية والاقتصادية. فقد تعلمنا من واقع تجربتنا أن التغييرات الواقعة على الصعيدين السياسي والاقتصادي يعزز بعضها بعضًا.
ومن الواضح أن الدول التي تمر بمراحل انتقالية بحاجة إلى التحول الديمقراطي السياسي وإنشاء مؤسسات اقتصاد السوق. وهي بحاجة أيضًا إلى أسواق مفتوحة في باقي أنحاء العالم. وتحتاج هذه الدول إلى تلك المعايير الاجتماعية والعملية والبيئية ومعايير الصحة والسلامة والتي تحددها وفق تقديرها وتعكس مستواها الاقتصادي، وليست تلك المعايير التي تفرض عليها من الخارج. وهي بحاجة إلى التجارة وليس إلى المساعدات. (هناك فجوة كبيرة بين الظاهر المتكلِّف للمساعدات الأجنبية وفحواها الحقيقة. ولا أصدق أن هذا الأمر قد يتغير أبدًا. واتساع هذه الفجوة أكثر من ذلك أمر يصب في صالح مجتمع المساعدات الأجنبية -وهي مجموعة محددة تسعى للربح).
وبالطبع يحظى الجانب السياسي لعملية التحول والتي مرت بسلاسة في أوروبا الوسطى نظرًا لانصهار الشيوعية دون أى مقاومة إلى جانب عدم معارضة باقي أنحاء العالم لها، بأهمية كبيرة. يفترض النظام الديمقراطي القادر اقتصاديًا على البقاء وجود كيان متماسك يتقاسم الهوية ومتجانس بما يكفي، يُطلَق عليه في المعتاد دولة، والتي يمكن تشكيلها على مستوى بلد وليس على مستوى القارة بأكملها. تعلمنا التجربة أن تفكيك الدول الحالية لا يساعد في تحقيق مزيد من الحرية، وإنما يؤدي مباشرة إلى تعظيم الفوضى والانفلات والاضطراب. وللتخلص من حالة الاضطراب هذه يلزم إدارة فعّالة للدولة تقوم على إجماع واسع النطاق بقدر الإمكان من قِبل المواطنين (عن طريق انتخابات ديمقراطية).
ويتمثل التحدي الحقيقي الذي يواجهه العالم العربي -قد نستثني مصر من ذلك- في كيفية بناء دول ليست على النمط الأوروبي (أو الغربي). وفي مثل هذه الحالة لا تتشكل الدولة بسهولة. وتستغرق وقتًا طويلاً لتحقيق هذا الهدف. وأنا أعي ما أقوله باعتباري شخصًا أوروبيًا. أعي أهمية الدولة. وتؤدي المحاولات المتهورة لتوحيد أوروبا والعمل على تمركزها وإلغاء قوميتها وديمقراطيتها (إلى جانب انتصار الفكر المنادي بإعادة التوزيع في حقبة ما بعد الديمقراطية والذي يناهض آليات السوق والاستقلالية الفردية ف

ي أوروبا) إلى تقويض القارة وحريتها ورفاهيتها فضلاً عن دورها في العالم بدرجة خطرة. ومن ثم لا مجال الآن لمستقبل مشرق لقارة أوروبا دون مرورها بتحول كبير. وعلى هذا الصعيد، أتمنى أن يسطر خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (Brexit) فصلاً جديدًا في تاريخ القارة.
واسمحوا لي أن أختتم كلمتي بالتأكيد على قناعتي الثابتة بأن العالم العربي سيستطيع تحقيق هذا التحول. فهو ليس منطقة فاشلة يجب إخلاؤها من السكان بالهجرة الجماعية. وإنما منطقة حققت نموًا وتقدمًا ملموسًا في العقود الأخيرة والتي نأمل استمرارها في السنوات المقبلة.

عن amal

شاهد أيضاً

الحكومة الذكية: خيار أم ضرورة….؟!

                              …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *