الرئيسية / مقالات / المغرب ورهانات التنمية المستدامة  

المغرب ورهانات التنمية المستدامة  

  أطلقت الأمم المتحدة المشروع الكوني سنة 2015 تحت مسمى (التنمية المستدامة 2030) والذي وافق عليه قادة وزعماء 193 دولة ليستمر العمل به لخمسة عشر عامًا، وروجت له- كأهداف عالمية للتنمية المستدامة- سبعة عشر هدفًا حيويًا. كما تبنته جامعة الدول العربية، وأوصت الدول العربية بتنفيذه واعتماده في الخطط الاستراتيجية الوطنية، وإعطاء أهمية قصوى للتنمية المستدامة. وعلى الرغم من أن  تنفيذ الأهداف التي حددتها الأمم المتحدة للتنمية المستدامة غير ملزم، لكنه مشروع يعمل على تعميم الرخاء وتحقيق السلام والشراكة بين البلدان.

    وتتنوع تعريفات التنمية المستدامة وتتعدد، لكنها تتوافق حول كونها هي التنمية التي تفي باحتياجات الحاضر، دون التقليل من قدرة أجيال المستقبل على استيفاء احتياجاتها الخاصة. وذلك من خلال خلق التوازن بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وضمان حياة كريمة للمواطنين، وتحسين إطار معيشتهم، وكذلك تعزيز التدابير المستدامة للموارد الطبيعية واستغلالها الأمثل، وتشجيع الأنشطة الاقتصادية التي تحترم البيئة وتحافظ عليها.

   وقد انخرطت المملكة المغربية في هذا النهج من خلال اعتماد التنمية المستدامة كمشروع مجتمعي، وكنمودج تنموي بفضل الإرادة الملكية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، كما تكرس  هذا الالتزام كخيار استراتيجي من خلال سلسلة من الإصلاحات المتتالية بهدف بناء التنمية الاقتصادية على أسس صلبة، وتحسين الظروف الاجتماعية، واعتماد الإجراءات الوقائية والعلاجية في المجال البيئي.

   ولما كانت التنمية المستدامة عملية مجتمعية تتطلب التكامل بين المتطلبات الثلاثة (النمو الاقتصادي وارتفاع معدلاته، والاندماج الاجتماعي وتنميته والذي يشمل العمل والغذاء والتعليم والطاقة والرعاية الصحية والماء، وحماية البيئة التي تتضمن حفظ الموارد الطبيعية من أجل الأجيال القادمة)- حرصت المملكة المغربية على تطوير نموذجها الخاص للتنمية بالارتكاز على مداخل التنمية الثلاثة، من خلال عدة إصلاحات في المجالات السياسية والمؤسسية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية، وذلك في إطار خطط عمل تتضمن أهدافًا محددة وقابلة للتحقيق في جميع القطاعات.

   وفي هذا السياق ، تبذل المملكة المغربية جهودًا حثيثة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة بالرغم من التحديات التي تواجهها، والتي تكمن بالأساس في دعم التنسيق والانسجام بين مختلف السياسات القطاعية والتقائيتها من جهة، وتوسيع حكامة هذا الورش لتشمل مجموع الفاعلين المعنيين من جهة أخرى، وذلك بغية تحقيق استدامة حقيقية وضمان التفاف جميع القوى الحية حولها.

   ومن منطلق كون اﻹدارة العمومية جوهر التنمية وركيزتها، كما أكد على ذلك جلالة الملك محمد السادس في عدة مناسبات، كان للقطاع المعني بإصلاح الإدارة والوظيفة العمومية دور محوري في كسب رهان التنمية المستدامة في بلادنا. إذ يشكل إصلاح الإدارة خيارًا استراتيجيًا لا محيد عنه، وعاملًا مهمًا لنجاعة السياسات العمومية الهادفة إلى تحقيق رفاهية المواطن وتمكينه من العيش في ظروف جيدة، في ضمان تام للحقوق الأساسية المنصوص عليها في دستور المملكة.

   ومع تنامي التطلعات والاحتياجات المجتمعية والتطورات المطردة التي يعرفها المحيط الدولي- والطفرة التكنولوجية التي يشهدها العالم، أضحت الحاجة ملحة لبناء مرفق عمومي مؤهل وقادر على مواجهة كل التحديات والإكراهات وفقًا لنظرة استشرافية وتصور شمولي وموحد. وفي هذا الإطار، تقدمت الوزارة المنتدبة المكلفة بإصلاح الإدارة والوظيفة العمومية ببرنامج لإصلاح الإدارة يضع المواطن في صلب اهتماماته ويهدف إلى تحقيق تحول إداري وخلق إدارة ناجعة ومؤهلة، غايتها تقديم خدمات عمومية متميزة للمرتفق، وتوفير الدعم اللازم لتنفيذ السياسات العمومية وضمان نجاعتها، من خلال الارتقاء بالوسائل البشرية والتنظيمية والتدبيرية الموضوعة رهن إشارتها.

   وبغية تحقيق الأهداف الموضحة، اعتمدت وزارة إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية مقاربة تستند إلى عدة مداخل إصلاحية، على رأسها الانفتاح على المواطن لمعرفة احتياجاته بدقة، وإشراكه في وضع السياسات العمومية، ووضع الإطار الملائم للاستجابة لمتطلباته بالفعالية والسرعة المطلوبتين، من خلال تعزيز الشفافية والقرب، وتبسيط المساطر، ودعم وتطوير الإدارة الإلكترونية، وتيسير الولوج إلى الخدمات الإدارية العمومية على المستوى المركزي واللاممركز.

      واعتبارًا للدور المحوري الذي تلعبه الموارد البشرية في إعداد وتنفيذ السياسات العمومية، يعتمد برنامج الوزارة على تطوير منظومة تدبير الموارد البشرية وتأهيلها لمواكبة المستجدات والاضطلاع بمهنية أكثر بمهامها المرتبطة بتطوير التدبير العمومي، وبلورة السياسات العمومية وتنفيذها وتقييمها، وذلك بما يضمن تطوير الإدارة المغربية والرفع من مستوى أدائها وفعاليتها.

   ويتمثل الرهان الأكبر الذي يواجه القطاع المعني بإصلاح الإدارة في بناء وظيفة عمومية منسجمة مع روح ومقتضيات دستور 2011، لاسيما فيما يخص احترام مبادئ الحكامة، وتخليق الحياة العامة وتعزيز النزاهة والشفافية من خلال إرساء خطة شمولية لتدعيم الآليات القانونية والمؤسساتية على المستوى الوقائي والزجري والتحسيسي والتوعوي والتربوي. وكذا دعم اللاتمركز الإداري، وجعله أداة فعالة لمواكبة اللامركزية والجهوية المتقدمة بغية تعزيز العدالة المجالية.

   وتأتي مختلف هذه الإصلاحات لتواكب الجهود الحثيثة التي تبذلها المملكة في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية من إصلاح للتعليم، والصحة، وتكريس للديمقراطية، وإطلاق للمخططات القطاعية الكبرى، والتي  تعمل في اتجاهين، أولهما تحديث القطاعات التقليدية كالزراعة والصيد البحري والتعدين، وثانيهما تطوير القطاعات المجددة، على سبيل المثال الطاقات المتجددة، والإمدادات، وصناعة السيارات، والطيران والخدمات ذات القيمة المضافة المرتفعة .

   ومع تفاؤلنا الكبير بمستقبل أفضل، فإننا على وعي ودراية بأن هناك العديد من التحديات التي تواجهها الدول العربية، ومنها المملكة المغربية، والتي يجب التغلب عليها بالاشتغال المشترك، بكل جدية وحزم وحسن نية، على ثلاثة مسارات متوازية: تسوية الأزمات السياسية التي تنخر الذات العربية، والتعاون الأمني لمواجهة ظاهرة الإرهاب الهدامة، والاندماج الاقتصادي. لاسيما في إطار المنظمات الإقليمية التي من شأنها أن تلعب دورًا حيويًا في إطار الجهود الرامية إلى تطوير الشراكات والتعاون في المجالات ذات الصلة بالتحديات التي تطرحها التنمية المستدامة بالبلدان العربية.

   وهنا، لابد من التأكيد على الدور المنوط بالمنظمة العربية للتنمية الإدارية كمجال لتعزيز الحوار وتشجيع تبادل الخبرات والمهارات في مختلف المجالات المرتبطة بالإدارة العمومية، خصوصًا في ظل الظرفية الراهنة التي تعيشها بلدان المنطقة والتحديات الجسيمة التي تفرضها على الإدارة العمومية والحكامة العمومية.  ومن هذا المنطلق ينبغي العمل على إعطاء نفس جديد لهذه المنظمة، وتطوير مناهج وأنماط مبتكرة تتماشى والمتغيرات التي تعرفها المنطقة.

                               

معالي السيد/ محمد بنعبد القادر

      الوزير المنتدب المكلف بإصلاح الإدارة وبالوظيفة العمومية

عن amal

شاهد أيضاً

الحكومة الذكية: خيار أم ضرورة….؟!

                              …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *