الرئيسية / مقالات / بناء المستقبل… التحديات ودور الجامعات

بناء المستقبل… التحديات ودور الجامعات

 

عندما نتحدث عن المستقبل، فإننا لا نتحدث عن إطار زمني فقط، ولكننا نتحدث عن تحديات ومشكلات سوف تواجهها المجتمعات الإنسانية، ولابد من التخطيط المستقبلي والاستعداد للتغلب عليها، ومنع تأثيراتها السلبية على التطور والنمو والحراك الاجتماعي والثقافي والصحي والاقتصادي وغيره.

هناك الكثير من الدراسات التي تناولت التحديات والمشكلات المستقبلية، والمتتبع لهذه الدراسات يجد أنها تكشف عن أوجه جديدة لتحديات المستقبل ومشكلاته مع مرور الوقت، مما يعني أن المستقبل يحتاج إلى عقول متفتحة مواكبة لما يحدث من تغيّرات وما يترتب عليها من آثار ليتم التخطيط لمواجهتها بطريقة أكثر كفاءة وفعالية.

فعلى سبيل المثال، التطور السريع في استخدام الذكاء الاصطناعي، وأتمتة وسائل وطرق الإنتاج قد نتج عنهما الاستغناء عن استخدام الأيدي العاملة في بعض خطوط الإنتاج بالمصانع، الأمر الذي قد تترتب عليه زيادة في معدل البطالة. وهذه مشكلة لابد من معالجتها لإيجاد حلول لاستيعاب الأيدي العاملة التي يتم الاستغناء عنها والتقليل من معدل البطالة.

وهناك مشكلة التغيّر في المناخ التي تشير الدراسات إلى أنه إذا لم تتم معالجتها، سيكون لها تأثير بالغ على المجتمعات الإنسانية والحياة الفطرية والموارد الطبيعية. كذلك، النمو المتزايد في عدد السكان أدى إلى نمو المدن واتساعها، مما ترتب عليه تمدد حضري صاحبته متطلبات متزايدة على الطاقة والخدمات وتأثيرات سلبية على البيئة. ويفرض هذا الواقع أن تتم إعادة النظر في طرق تصميم المدن والمباني لتفادي السلبيات المتمثلة في زيادة استهلاك الطاقة والموارد الطبيعية، والمشكلات الاجتماعية، وأن تكون المحافظه على الموارد والبيئة وأمن واستقرار المجتمع من الأهداف التي يتم السعي لتحقيقها.

وفي السعي الحثيث لبناء مستقبل أفضل للمجتمعات الإنسانية، بررت ضرورة الاهتمام بتحقيق الاستدامة، ليس في الموارد الطبيعية فقط، ولكن أيضًا في مختلف المجالات المتعلقة بتأمين حياة مستقرة وآمنــة للمجتمعـــات الإنسانية. فهنــــاك أهداف للاستدامة تتعلــــق بالجوانــــب الاقتصاديــــة وأهداف تتعلـــق بالبنية التحتية والموارد الطبيعية، وأهداف تتعلق بالحياة الإجتماعية وغيرها. وبرز مفهوم جديد يسمى التنمية المستدامة، وهو لا يعني فقط حماية البيئة والمحافظة على الموارد الطبيعية، ولكنه أشمل، ويعني ضرورة الاهتمام بما يُتخذ من تدابير وإجراءات في الوقت الراهن لتأكيد ضمان حصول أجيال المستقبل على ما تحتاجه لتأمين معيشتها. فكل ما يُتخذ من إجراءات في الوقت الراهن لابد أن يواكبه اهتمام بالمحافظة على استمرارية التدابير التي تتخذ بكفاءة عالية في المستقبل، وضمان استقرار المجتمع وعدم تعرضه لاهتزازات قد تؤثر سلبًا على رفاهية وأمن أفراده.

وبناء المستقبل يتعلق بالتنمية الاقتصادية للدولة. ففي طريق التنمية الاقتصادية تتوافر جميع الخدمات التي يحتاجها أفراد المجتمع. ومن العوامل الرئيسة التي تؤثر على التنمية الاقتصادية الموارد البشرية والموارد الطبيعية والتطور التقني للدولة، بالإضافة إلى عوامل أخرى تتصل بالجوانب المالية والاجتماعية والسياسية. فمن المهم جدًا امتلاك الموارد البشرية للمعارف والمهارات التي تمكنها من تحقيق إنجازات ذات جودة عالية تساعد في تحقيق التنمية المنشودة. كذلك، فإن توافر الموارد الطبيعية، وإمكانية استغلالها باستخدام تقنيات متطورة يساهمان مساهمة فعّالة في عملية التطور والنمو. وهذا بالطبع مع ضرورة توافر الاستقرار السياسي ومساهمة الحكومة وجميع فصائل المجتمع في وضع الخطط اللازمة للتطور والنمو وتحقيق الأهداف.

ومن العوامل المهمة جدًا والمؤثرة على عمليات التنمية في كل دول العالم ظاهرة العولمة. فلقد أصبحت المجتمعات الإنسانية متواصلة بشكل وثيق، وما يحدث في أي منطقة في العالم أصبح له تأثير على مناطق أخرى وبشكل لا يمكن إغفاله. بالإضافة إلى ذلك، أصبح سوق العمل في كل دولة من دول العالم يتطلب توافر قدرات ومهارات معينة لدى أفراد القوى العاملة حتى يستطيعوا القيام بمسؤولياتهم الوظيفية بشكل جيّد ومقبول، فالتطور التقني وتأثيراته لم يعد قاصرًا على دولة دون أخرى. فكل المجتمعات الإنسانية أصبحت تتأثر بالتطور التقني، وما يترتب عليه من تغيير وتطوير في وسائل الإنتاج وجميع الخدمات المقدمة للمجتمع، لذلك أصبح الشباب الذين يتقدمون لشغل وظائف يواجهون متطلبات وتحديات لابد من مساعدتهم في التغلب عليها.

 

وشباب اليوم لابد لهم من امتلاك القدرات التي تمكنهم من العمل في عالم دائم التطور، عالم مترابط تدفعه التقنية وتؤثر عليه متغيّرات متسارعة ومفاجئة، ويجب أن يكونوا قادرين على وضع الأهداف والسير في دروب صعبة ومعقدة لتحقيقها بنجاح. ولابد لهم من امتلاك مهارات التعلم والاتصال والتفكير النقدي وحل المشكلات باستخدام أفضل وآخر مستجدات التقنية، كما يجب امتلاكهم للثقة في قدراتهم، والإصرار على النجاح على الرغم مما قد يواجهونه من صعوبات ومشكلات.

وهنا نطرح التساؤل عن دور الجامعات في بناء المستقبل، فالشباب هم بناة المستقبل، والشباب من خريجي الجامعات هم أكثر المعنيين من أفراد المجتمع بالمستقبل وبنائه، فعلى الجامعات توفير بيئة تعليمية، وليست تدريسية يكون محورها الطالب، وتعمل على تنمية معارفه وقدراته بشكل متكامل بحيث يستطيع الطالب بعد تخرجه الانخراط في سوق العمل العالمي والقائم على المعرفة بكل سهولة ويسر ويساهم في صنع مستقبله ومستقبل مجتمعه.

أيضًا لابد للجامعات أن تتخلى عن دورها التقليدي كجهة تعليمية تُعنى فقط بتمليك المعارف لطلابها لتقوم بدور أكثر شمولية وتأثيرًا في خدمة مجتمعها وتطويره، بل وخدمة وتطوير المجتمعات الإنسانية أينما كانت. فالعالم أصبح مترابطًا، وكل مشكلة في مكان ما لها تأثير في أماكن أخرى.

لذلك، أصبح التواصل مع المجتمع المحيط، والتعرف على مشكلاته والعمل على إيجاد الحلول المناسبة لها عن طريق البحوث التطبيقية- من الأدوار المهمة التي يجب أن تقوم بها الجامعة. ولا شك أن حل المشكلات وإيجاد حلول مناسبة ومستدامه لها له أهمية قصوى في تمكين المجتمعات من الانطلاق نحو مستقبل أكثر ازدهارًا.

وبالإضافة إلى البحوث التطبيقية هناك البحوث الاستشرافية التي يجب أن تهتم بها الجامعات. فاستشراف المستقبل هو الخطوة الأولى المهمة التي يجب اتخاذها لوضع الاستراتيجيات والخطط المناسبة لتحقيق الأهداف المستقبلية والنمو المنشود.

كذلك من أهم أدوار الجامعات لبناء المستقبل، احتضان المبادرات وريادة الأعمال. فكل مبادر يحتاج إلى جهة تقدم له المشورة والمساعدة للتغلب على المشكلات التي قد يواجهها والتوصل إلى حلول تساهم في تحقيق أفكاره على أرض الواقع.

إذًا، فدور الجامعات في بناء المستقبل دور أساسي، ويتصل بجوانب متعددة. وهي التي تعد الشباب بناة المستقبل، وتستشرف المستقبل، وما قد يفرضه من مشكلات وتحديات، وتساهم في وضع الخطط الاستراتيجية لمواجهتها والتغلب عليها، واحتضان الأفكار المبدعة والخلاّقه من أجل مستقبل مزدهر ومستدام.

 

 الدكتور/ عيسى الأنصاري                    

مدير جامعة الأمير محمد بن فهد

المملكة العربية السعودية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن amal

شاهد أيضاً

في رحاب الملتقى الأول للعلاقات العامه بالقاهرة

سعدنا بالتواجد والحضور في الملتقى العربي الأول للعلاقات  العامه الذي نظمته المنظمه العربية للتنمية الادارية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *