الرئيسية / أخبار / الحكومة الإلكترونية هل هي مشروع تكنولوجي أم تغيير ثقافي؟!

الحكومة الإلكترونية هل هي مشروع تكنولوجي أم تغيير ثقافي؟!

إن تعامل المجتمعات مع الحكومة الإلكترونية في تغيير مستمر فالحكومات تحاول استخدام تكنولوجيا المعلومات لحل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والبيئية المستعصية. إن فهم طبيعة هذا التغيير كابتكار والتعامل معه هو من أهم العناصر لوضع سياسات من يدير أعمال الحكومة وهناك نموذج علمي شهير لطبيعة التطور في الحكومات الالكترونية والذي تمر به الحكومة من مرحلة (1) الميكنة إلى (2) التحول الجذري إلى (3) الحوكمة الالكترونية إلى (4) وضع السياسات ومراقبتها من خلال المعلومات والبيانيات.

إن العائد من تلك الأعمال الخاصة بالحكومة الإلكترونية تتعاظم في المرحلتين الآخرتين والتي تعني أن المواطن أصبح جزء من المنظومة يتأثر بها ويؤثر فيها والتي تؤدي إلى التقدم إلى المرحلة النهائية من التحول إلى مجتمع يعتمد على المعلومات بشكل جذري في وضع السياسات وتنفيذها وتغييرها وبشكل يكون فيه المجتمع شريك أساسي في ابتكار الحلول للمشاكل والتحديات المجتمعية.

إن مصرنا الحبيبة الآن في مرحلة الانتقال من المرحلة الثانية إلى المرحلة الثالثة وذلك يعني التحول إلى الحوكمة الالكترونية ومصطلح الحكومة هو مصطلح يكثر سماعه تلك الأيام في محيط الحديث عن الحكومة الإلكترونية في الدول المتقدمة والدول الأقل تقدمًا. وتعريفات الحوكمة كثيرة ومتعددة ونأخذ منها التعريف الخاص بالقدرة على التغيير الذاتي للسلوك والتصرفات والممارسات. ومرت عملية الحوكمة بمراحل عديدة داخل الحكومة، فقد كانت على الشكل الهرمي البيروقراطي ثم تم استخدام سياسات السوق وآلياته من خلال إنشاء الكيانات الاقتصادية والمتنافسة لتقديم الخدمات والتي أدت إلى تشتت أكثر في مؤسسات الدولة والتكليفات الخاصة بكل مؤسسة. ومع تطور مفهوم الحكومة وفهم الحوكمة وفهم عميق لمشكلات النظم الذي يعتمد على المنظور البيروقراطي القائم على التخصصية أو المنظور السوقي التنافسي، نشأت مدرسة فكرية تنادي بما يسمى بالحكومة الجمعية والتي تعتمد على فكر التعاون الوثيق بين كل أطياف المجتمع في التعامل مع لتحديات المجتمعية المختلفة مثل النقل والتعليم والصحة وخلافه. ومن هنا نشأت وتطورت أفكار عديدة وممارسات حسنة في ما يسمى بالحكومات المنفتحة والبيانات الحكومية المنفتحة واقتصاديات البيانات واقتصاديات التطبيقات (API Economy).

إن التطور في شكل الحكومة يصاحبه تطور فيشكل العلاقة بين المجتمع والحكومة وبين أفراد المجتمع وبين الجهات الحكومية المختلفة. وفي الوقت الحالي نرى الكثير من قرارات تشكيل لجان عريضة للتعامل مع المشاكل والتحديات المجتمعية والتي تحتاج إلى تظافر الكثير من الجهود للتعامل مع تلك المشكلات ونذكر منها على سبيل المثال اللجان الخاصة بمشروعات انفاذ القانون وقواعد البيانات القومية ومشروع التعداد 2017 وخلافه. وهنا نواجه تحديات عدة: يأتي التغيير في الثقافات كأول وأقوى تحدي للتحول إلى الحوكمة القائمة على التعاون. فإن الثقافات الموروثة في كافة الحكومات تعظم من التشتت واعلاء مصلحة الهيئة أو القطاع أو الإدارة على حساب حل المشكلة مما يؤثر سلبًا على مستوى التعاون وعلى تبادل المعلومات والمعارف. ويعتبر تغيير تلك الموروثات من أهم مراحل التحول الحقيقي إلى مجتمع المعرفة كأساس لوضع السياسات والحلول المبتكرة ولن يتأتي ذلك التغيير إلى من خلال حوار مجتمعي وبناء تناقش فيه كل المشكلات بشفافية مع احترام كامل لكافة الرؤى ووجهات النظر فالتغير يأتي عندما تناقش وجهتي نظر مختلفتان من أجل وجهة نظر مختلفة آخري ومتفق عليها.

وفي إطار ذلك التغير ولتعظيم التنسيق والعمل قامت حكومات عديدة بإعادة النظر في الشكل الهيكلي لإدارة العمليات الحكومية من خلال إنشاء كيانات وهيئات عرضية لتقليل بما يسمى بالفجوة الهيكلية ولاتي تنشأ من خلال اهتمام كل جهة حكومية بالمهام الموكلة لها فقط وعلى سبيل المثال فقط أنشأت دولة استراليا وزارة جديدة هي وزارة الخدمات الإنسانية للتعامل مع كافة الخدمات المقدمة للمواطنين في حين أنشأت دولة إنجلترا بما يسمى بهيئة الخدمات الالكترونية. وقد بدأت بعض الدول الإفريقية بإنشاء تلك الكيانات العرضية مثل كينيا وغانا وموريشيوس وخلافه وقد كان هناك بعض المحاولات المصرية لإنشاء تلك الكيانات العرضية من مشروع قرارات الهوية الرقمية والمجتمع الرقمي وخلافه وهي في طور الحضانة وتحتاج إلى رعاية مجتمعية وسياسية لإنشائها.

أما ثاني عناصر التغيير في نظم الحوكمة هو الاحتياج إلى ما يسمى الحوكمة القائمة على التجارب وذلك هو تغيير ثقافي وفكري عظيم. فإن السياسات الحالية ونظم الإدارة والممارسات تؤد أي فكرة للتجربة حيث أن الكيانات الحكومية الحالية في العديد من الدول تقوم على سياسات إدارة المشروعات والتي تعتمد على التعاقدات من شركات القطاع الخاص لتنفيذ المشروعات والتي هي في الغالب مشروعات كبيرة وطويلة المدى في حين أن المشكلات المجتمعية الحالية تحتاج إلى تجارب عديدة ومتتابعة وفكر إدارة مشروعات يعتمد على ما يسمى بـ Agile وهيهات أن تسمح سياسات الشراء الحالية بمثل تلك الممارسات.

ومن العناصر التي تحتاج إلى تغيير ثقافات موروثة هي فكر ملكية المشكلة وملكية الحل فإن نظم الحوكمة الحديثة يعتمد على اشتراك المواطنين فيما يسمى بـ co-production في حل المشكلات والتحديات المجتمعية الحديثة ففكرة أن وزارة بعينها تختص بحل تلك المشكلات هو فكر بالي يحتاج إلى تغيير ثقافي  وسلوكي وإدراكي ومن ثم فإن ما يساعد على فهم طبيعة المشكلات ووضع الحلول لها من التجارب المستمرة لتغيير الشكل النهائي للحل لن يتأتي من خلال المنظومات الموجودة الآن ولا السياسات والممارسات الحالية. وقد أشرنا إلى أن الحوار (Dialogical) والكيانات العرضية وأي عمل يساعد على التغيير الإداراكي لمن ينتمي إلى هذه الكيانات الرأسية هو في صميم الحل.

ونأتي إلى الأمثلة في مصر والتي تؤيد فكر التعاون الجمعي والمشاركة والتجارب. ومن تلك الأمثلة مشروع تعداد مصر 2017، ففي ذلك المشروع يشارك أكثر من 5 وزارات في عملية الإنشاء وأكثر من 16 شركة. أما في مرحلة التعامل مع الجمهور فإن كافة الجهات الحكومية تشارك في ذلك العمل والذي يعتمد بشكل قوي على تكنولوجيا المعلومات.

ومشروع قواعد البيانات القويمة هو مثال آخر على فكر المشاركة والحوار والتجارب والتعاون (Collaborative Interactive Experiential Governance) وكيفية استخدام قواعد البيانات لعمل سياسات وممارسات لتعظيم العائد من موارد الدولة. وتحرص وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات على ذلك التعاون وبناء حوار مستمر ومتتابع مع كافة الجهات الحكومية ومجتمع المعلومات والمجتمع الأكاديمي والبحث العلمي وكافة المنظمات الدولية المحترمة وتؤدي دور التكامل للتعامل مع أي فجوة هيكلية (Structural Hole).

وفي قطاع البينة المعلوماتية والأساسية تقوم بتنفيذ عدة مشروعات تتجاوز الخمسين مشروع لتنفي أكثر من 30 بروتوكول مع جهات عديدة وفي الآونة الأخيرة لوحظ ارتفاع مستوى التعاون وبالتالي نسب نجاح المشروعات ولكن تبقى الكيانات العرضية آلية قوية للحكومة والتحول (Transformation) مع تمني دور أكبر للصحافة لإدارة حوارات فكرية.

فإن العالم في طريقه للتحرر من الكيانات الكبرى والشبكة العنقودية واقتصاديات الانترنت والبيانات وBlockchain هو خير مثال لذلك التحول

ولكم مني جزيل الشكر.

المهندس خالد العطار – رئيس قطاع البنية المعلوماتية – وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات –  جمهورية مصر العربية

عن amal

شاهد أيضاً

دمج قضايا تبني تقنيات المعلومات والاتصالات في نظرية القيادة الإلكترونية

دمج قضايا تبني تقنيات المعلومات والاتصالات في نظرية القيادة الإلكترونية تأليف: “مونتجومري فان وارت”.  ترجمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *