الرئيسية / رأي / احتضن الفشل وأبدأ الحياة!

احتضن الفشل وأبدأ الحياة!

الكاتبة و الباحثة الأميركية برونيه براون تقول ”عندما ننكر قصتنا، سنرى أنفسنا من خلالها، و ستصبح جزءاً من هويتنا. عندما نتقبل قصتنا، سنتمكن من كتابة نهاية جديدة لها .. نهاية شجاعة.“ تبرمجنا على ربط الفشل بمشاعر الخزي، فقاومنا ”قصتنا“ و كبتنا مشاعرنا، فظلت قابعة في أعماقنا، و التصقت بهويتنا. أصبحنا نقيِّم أنفسنا من خلال فشلنا. الفرق بين ”فشلت في تلك التجربة“ و ”أنا فاشل“ هو ذلك الفرق بين النظر للتجربة بانفصال و موضوعية أو ”شخصنتها“ و ربطها بهويتنا. ليس علينا محاولة التغلب على الفشل. كل ما علينا فعله هو تقبل الفشل كقطعة أساسية، مبعثرة هنا و هناك، يكتمل بها ”پزل“ تجربة النجاح …

إن  الخوف من الفشل يشل قدرتنا على الإبداع. و هل الإبداع إلا عمل شيءٍ جديد؟ و الجديد مجهول. و الخوف من المجهول هو ذلك الخوف الأزلي الذي يحمله غالب البشر. الخوف من الفشل يبقينا في دائرة ضيقة نحن قيدنا أنفسنا بها حمايةً لها من مشاعر مزعجة مرينا بها في وقت ما. كان لدينا كأطفال حب الاكتشاف، و رغبة مستمرة بتجربة شيء جديد، لأن الحياة بأكملها كانت ”جديدة“ بالنسبة لنا في ذلك الوقت، فكان بداخلنا ذلك الشغف الفطري لاكتشافها. و بطبيعة الحال أخفقنا. كسرنا أشياء .. أتلفنا أشياء .. و تم توبيخنا .. و تم منعنا من إعادة التجربة .. و تلقينا صفعات، من أهالينا و من القدر! فتبرمجنا على أن الإخفاق (الفشل) يتبعه توبيخ، و يجعلنا ”غير جيدين“ في نظر من نحب. فأصبحنا نعتني بكيفية القيام بسلوك يضمن لنا حب و استحسان ”الآخر“، سواء كان ذلك ”الآخر“ أب، أم، أخ، أخت، معلم، مدير … و السلوك الذي يضمن لنا ذلك الحب و ذلك الاستحسان، و هما احتياجان أساسيان للإنسان، هو تجنب إعادة المحاولة، لأن عواقبها مؤلمة، و قد تأتي بصفعات أخرى .. لا .. شكراً! فتبرمجنا على تقييم أنفسنا من خلال تجاربنا و رأي الآخرين بها و .. بنا. و هل مشاعر الخزي إلا نظرتنا لأنفسنا بعدسات الآخرين؟ لذلك ارتبط الفشل بمشاعر الخزي.

إن تقبلنا تجربتنا الفاشلة بدون مقاومة، سننظر لها بعين المراقب، نظرة موضوعية، بعيدة عن ”شخصنة“ التجربة، و سنتعلم منها. لأن الفشل يتيح لنا فرصة معرفة ما لا يعمل، و اكتشاف طرقٍ لجعله يعمل. و مقولة توماس إديسون قد تكون كليشيه سئمنا من سماعه، و لكن ذكرها يخدمنا في هذا السياق: ”أنا لم أفشل. أنا ببساطة وجدت 10 000 حلاً لا يعمل.“ .. بهذه النظرة، لن نقيِّم أنفسنا من خلال التجربة الفاشلة، بل سيكون تركيزنا على الدروس المستخلصة. و معروفٌ أن بيل غيتس يحرص على الحفاظ على موظفيه الذين ارتكبوا أخطاء، لأنه يعلم أن هؤلاء يعلمون شيئاً إضافياً لا يعمل! نحن اعتبرنا الفشل عدوَّنا، فلجأنا لعزل أنفسنا بعد كل تجربة فاشلة، إلى حين الانتهاء من محاربته .. بداخلنا.

ماذا لو تبنينا فكرة أن 80% من النجاح هو أن ”تُظهر نفسك“ كما يقول الخبراء، بمعنى أن نُقبِل على التجارب. و هذا يعني الا تمنعنا اي تجربة فاشلة من المحاولة مرة أخرى، إذ كيف يمكننا النجاح بعد الفشل إن لم نُعد المحاولة؟

 

عندما لا يكون الفشل خيارا مطروحا أمامنا، يصبح كل تركيزنا على النجاح و حسب. أما إن اخترنا أن نتبنى قيمة الشجاعة قبل قيمة النجاح، فإننا سنخطئ، سنسقط، سيتم انتقادنا، و سنتألم. و لكننا سنعيش الحياة بكل أبعادها، بكل ما تحمله من تجارب و اكتشافات و إبداعات. ستتطور بداخلنا المرونة تجاه الفشل، لأننا سنعلم ان الألم هو شعور طبيعي يأتي مع الفشل، و سيأخذ وقته، لا أكثر، و يمضي بمجرد الإقدام على تجربة جديدة و المحاولة مرة أخرى. سنعرف أننا نعم، فشلنا، و نعم هذا مؤلم و محبط، و لكنها ليست النهاية. و من المفارقات العجيبة أن أكثر الناس نجاحاً هم أكثر الناس فشلاً، لأنهم أكثر من أقدموا على تجارب مختلفة.

 

يقول روزڤلت في خطابه الشهير ”المواطنة في جمهورية“، و تحديداً المقطع المعروف بـ ”الرجل في الميدان“: ”لا اعتبار لمن ينتقد، أو لمن يركز على الرجل القوي كيف تعثر، أو كيف أن من قام بشيء كان يمكن أن يقوم به بشكلٍ أفضل. إنما كل التقدير لذلك الرجل المتواجد فعلياً في الميدان، ذلك الذي خالط الغبار والعرق والدم جبينه، ذلك الذي يناضل ببسالة، الذي يخطئ و يفشل في تحقيق هدفه مراراً و تكراراً، لأنه لا جهد بلا أخطاء (…) و هو يعلم، في أفضل الأحوال، أن النصر في نهاية المطاف هو للإنجاز العظيم، و في أسوأ الأحوال، إذا ما فشل، فقد فشل و هو يحاول بجرأة عظيمة.“ .. فما قيمة الحياة إن لم نعشها بجرأة؟ و كما قالت هيلين كيلر: ”الحياة إما آن تكون مغامرة جريئة أو لا شيء!“ هذه ليست دعوة للتفكير الإيجابي أو إدعاء أن تجاوز الفشل شيءٌ سهل، بل دعوة لنحيا. الفشل مؤلم. الفشل مزعج. الفشل قد يثير مشاعر خزي. نعم. و لكن أليست كل تلك المشاعر هي جزء من الحياة؟

نائلة السقاف

مدربة الوعي الذاتي

الجمهورية اليمنية

 

 

عن amal

شاهد أيضاً

الأمن السيبراني وإدارة التغيير في المنظمات

إذا نظرنا للعالم من حولنا، فإننا نجد أنه أصبح أكثر قربًا وترابطًا من أي وقتٍ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *