الرئيسية / أخبار / التنمية المستدامة والمشاركة المجتمعية للحفاظ على الموارد العربية

التنمية المستدامة والمشاركة المجتمعية للحفاظ على الموارد العربية

لقد ساهم النمو السريع وغير المتوازن للتقدم الصناعي والتطورات غير المنضبطة المصاحبة له في تنامي سلسلة من المشاكل ذات الطابع البيئي، حيث أضحت قضايا التدهور البيئي- كالتصحر- والضغوط الإنسانية على البيئة، والفقر والبطالة- تمثل واقعًا مؤلمًا ملازمًا للحياة في معظم الدول العربية، وخاصة مع تعزيز نموذج الحداثة المعولم والتقنيات المتطورة التي تزيد من قدرة البشر على الإضرار بالبيئة، بحيث لم تعد تكتسي صبغة محلية محدودة، ولكنها تفاقمت لتصبح مشكلة عالمية.

وبسبب تعاظم خطر تلك المشكلات من جهة، وتقلص نسبة الموارد على الأرض، وإضعاف قدرتها على تجديد ذاتها من جهة أخرى، فإن هناك حاجة ملحة لترشيد التعامل الإنساني عن طريق تبني ما يعرف بالتنمية المستدامة.

 

يهدف هذا المفهوم الجديد إلى تحسين نوعية حياة الإنسان، من منطلق العيش في إطار قدرة التحمل، أو القدرة الاستيعابية للبيئة المحيطة، وترتكز فلسفة التنمية المستدامة على حقيقة مهمة مفادها أن الاهتمام بالبيئة هو الأساس الصلب للتنمية بجميع جوانبها، فهذا النوع من التنمية هو الذي يركز على بعدين مهمين هما الحاضر والمستقبل، حيث تكمن أهمية التنمية المستدامة، في قدرتها على إيجاد التوازن بين متطلبات التنمية للأجيال الحاضرة، دون أن يكون ذلك على حساب الأجيال القادمة.

تقع المنطقة العربية ضمن تصنيف الأراضي الجافة وشبه الجافة، وتشكل الأراضي المتصحرة والمهددة بالتصحر 80% من إجمالي مساحة الوطن العربي. وتشير الخصائص البيئية للمنطقة إلى محدودية موارد المياه العذبة، إذ تُعد من مناطق الفقر المائي ونصيب الفرد لا يتجاوز 1000 متر مكعب للفرد في السنة.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الزراعة العربية في الوقت الحاضر هو توفير الغذاء للمواطنين العرب، وتقليص الفجوة الغذائية التي بلغت 34 مليار دولار في عام 2016،  وهذا يتطلب مضاعفة إنتاج الغذاء في الدول العربية والذي يتحقق أساسًا من خلال زيادة الإنتاجية لوحدة الموارد الطبيعية (الهكتار من الأرض الزراعية والمتر المكعب من مياه الري)، مع المحافظة على قاعدة الموارد الطبيعية وتحسينها، خاصة أمام المشكلات البيئية التي باتت تهدد الكرة الأرضية، كالتصحر والجفاف وانحسار المساحات الخضراء والتلوث والانحباس الحراري وغيرها.

إن توفير الغذاء بصورة متواصلة يتطلب تحقيق نمو اقتصادي مستدام، وذلك يتطلب الحفاظ على إجمالي الثروة التي تقوم عليها التنمية، وفي إطار ذلك ظهر مفهوم التنمية المستدامة.

إن تحقيق التنمية يحتاج إلى سياسات رشيدة في استثمار الموارد المتاحة بالشكل الأمثل، وفي هذا الإطار هناك نظريتان لتحقيق التنمية عبر سياسات الدول:

  • سياسة التنمية الليبرالية القائمة على مبدأ التحفيز بالدعم المالي أو التقني، وحصره بمن يتبع برامج وسياسات الدولة.
  • سياسات التنمية الاشتراكية أو المركزية القائمة على تحكم مؤسسات الدولة بالقطاعات الإنتاجية لإنتاج السلع والخدمات الأساسية المطلوبة في السوق.

وقد أثبتت التجارب التنموية الحديثة في الدول النامية أن دور الحكومات في كلتا النظريتين يشير إلى أن الإدارة الحكومية سرعان ما تتحول إلى بيروقراطية خاملة تفرض توجهاتها من الأعلى إلى الأسفل، دونما اعتبار مشاركة الناس أو ممثليهم في تنفيذ الخطط  والبرامج والمشروعات المقترحة في تقييم نتائجها، وهذا ما يسبب هدرًا كبيرًا في الموارد المستثمرة.

ولتنفيذ مشروعات مستدامة تلبي طموحات المجتمعات المحلية، لا بد من اعتماد النهج التشاركي في التخطيط والتنفيذ والمتابعة لمثل هذا النوع من المشروعات التنموية، وفيه يتدرج الناس من مواقع القبول والتلقي السلبي للتدخلات التي تملى عليهم إلى مواقع النقاش والتقرير على الصعيدين المحلي والوطني. وتصبح مشاركتهم المحلية ضمانًا لصحة التقديرات التي تقوم عليها خطط الوزارات المعتمدة مركزيًا، وتصبح الخطط المركزية ضامنة لتحقيق معدلات النمو التي تحققها برامج التنمية المعتمدة محليًا في تطوير مختلف الموارد البشرية والمادية.

إن اعتماد النهج التشاركي بين المنظمات الحكومية وغير الحكومية المتدخلة من جهة، وبين المجتمعات المحلية المستفيدة من جهة أخرى في مجالات تشخيص مواردها، وفي تحديد حاجات وإمكانيات استثمارها، يشكل شرطًا أساسيًا للربط العضوي بين النهوض الأهلي لتنمية المجتمعات المحلية وبين التطور الحكومي في مجال إقرار وتنفيذ السياسات التنموية على الصعيد الوطني، ويتحقق هذا المنهج من خلال:

  • تحديد أهداف التدخل لتنمية المجتمعات المحلية التي تركز على تلبية احتياجات المجتمع المحلي الأساسية (كالبُنى التحتية)، واحتياجاته الاستثمارية كاستثمار الموارد الطبيعية والموارد الزراعية والحرفية، وتحسين جودتها للتمكن من المنافسة والتسويق، وكذلك تطوير موارده البشرية التي لا تتوافر لها فرص الإعداد المهني والتشغيل، بالإضافة إلى تطوير المستويات الثقافية والصحية، وبناء القدرات التنظيمية والأطر الاجتماعية والمهنية القادرة على المشاركة في تشخيص الأوضاع والموارد والحاجات والأهداف.
  • تشخيص الموارد المتاحة والاحتياجات الحقيقية للسكان، من خلال إجراء المسح الشامل للمجتمع الذي يعتمد على طرائق وتقنيات مختلفة، كجمع الوثائق والبيانات حول المجتمعات المحلية المدروسة، وتنظيم مقابلات فردية وجماعية معهم، بالإضافة إلى الاستبيانات والزيارات الاستطلاعية للتعرف على الهيئات الفاعلة في المجتمع المدروس، ومن ثم تفريغ البيانات التي تم الحصول عليها وتحليلها للوصول إلى ما يحتاجه الناس حقيقةً وامكانياتهم المحلية لتحقيق هذا الاحتياج.
  • تحريك الجماعات المحلية وتحفيزها للمشاركة في عملية التنمية، بمساعدة القيادات التقليدية للوصول إلى المتنورين والموثوقين من أصحاب المصالح المتوسطة، والتي يمكن أن تشجع الفقراء من أصحاب المصالح الصغيرة على المشاركة.
  • وضع خطط محلية لتنفيذ مشروعات حسب أولويات المجتمع، وتكون ذات جدوى اقتصادية واضحة، وتتصف بالتكامل فيما بينها، فأي مشروع لرفع إنتاجية محصول ما لا تتحقق جدواه إلا بتنفيذ مشروع مكمل له كالتسويق، ويجب أن تتصف هذه المشروعات بالاستدامة. وهذا يتجسد بالحد من وتيرة استنزاف الموارد الطبيعية كالأرض والماء، ويتجسد- أيضًا- بالثقة المتولدة عن المصداقية والشفافية في التعامل بين الأطراف الداخلية والخارجية المعنية بمدخلات ومخرجات المشروع.
  • مشاركة المجتمع المستهدف في عملية المتابعة والتقييم للمشروعات المنفذة، ومدى تحقيق هذه المشروعات لأهدافها التي صممت من أجلها.

ان إشراك أصحاب المصلحة الحقيقين في المشروعات التنموية من شأنه أن يجعلهم شركاء في هذه المشروعات، ويشعرون بأنها لهم وخططت من أجلهم، وهذا ما يجعلهم يحافظون عليها ويحرصون على نجاحها واستدامتها.

                                 الدكتور رفيق علي صالح

                                        المدير العام – أكساد

 

عن amal

شاهد أيضاً

كيفية إدارة المشاريع البحثية بجودة وكفاءة

يعد البحث العلمي والمشاريع البحثية الهادفة المرتبطة بقطاعات ذات أولوية للدول غاية الأهمية والتي نحن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *